فخلف كل حجر رفعناه حكاية، وخلف كل نهضة عشناها إرثٌ غير مرئي من القيم والتقاليد التي سكنت الحناجر والأزقة. ومن هنا تبرز عبقرية قرار تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية؛ فهو اعتراف بأن قوتنا تكمن في «فرادتنا»، واستحقاق وجداني قبل أن يكون أكاديميا، لكي لا نمضي قدمًا دون أن نصطحب معنا أصواتنا القديمة. لقد آن الأوان لننتقل من حالة التعايش العفوي مع تراثنا إلى حالة الوعي المنهجي به.
لطالما كانت الأنثروبولوجيا هي «المرآة» التي يحاول فيها البشر رؤية وجوههم الحقيقية خلف أقنعة العادات. فمنذ أن وضع ابن خلدون في «مقدمته» القواعد الأولى لعلم العمران البشري، مدركًا بعبقريته أن الإنسان ابن بيئته واجتماعه، وصولًا إلى مدارس الحداثة التي رأت الثقافة «نسيجًا من المعاني»، ظل هذا العلم جسرًا يربط بين ما كنا عليه وما سنصير إليه.
لكن، لنكن صريحين مع تاريخنا؛ فقد ظل «الشرق» لفترة طويلة يُقرأ بعيون «الآخر». كان المستشرقون هم من يوثقون تفاصيلنا، ورغم ما قدموه من جهد، إلا أن رؤيتهم ظلت أسيرة «المركزية الغربية» التي ترى فينا «موضوعًا» للدراسة، لا شريكًا في إنتاج المعرفة.
ولذا، فإن القيمة الكبرى لهذا المعهد الملكي تكمن في كونه إعلانًا للسيادة الثقافية؛ فهي اللحظة التي ننتقل فيها من خانة «الموصوف» إلى خانة «الواصف». نحن الآن من يمتلك الأدوات العلمية لنقرأ ذواتنا، ونفسر تحولاتنا، ونحفظ ذاكرتنا بعيوننا نحن، لا بعيون الغرباء.
تكمن أهمية هذا المعهد في سياق «رؤية 2030» في الحراسة الأمينة لهويتنا مع التحولات الكبرى، خاصة في ظل العصر الرقمي الجديد، عصر «السيولة الرقمية» ومنصات التواصل الاجتماعي، التي عرضت جذورنا الثقافية لهزّات متسارعة.
ومع الازدهار الذي تشهده المملكة العربية السعودية اليوم، يعمل الأنثروبولوجي الوطني كمترجم للروح الاجتماعية، يضمن أن يظل التحديث منسجمًا مع «الأصالة»، لئلا نفقد في طريقنا نحو الحداثة الخيط السري الذي يربطنا بجذورنا. إنها «الأنثروبولوجيا التطبيقية» التي تدعم صانع القرار بفهم عميق لاحتياجات الناس ورمزياتهم، محوّلةً تراثنا من «فلكلور» إلى «قوة ناعمة» تليق بمكانة المملكة عالميًا.
وختامًا، إن الاحتفاء بهذا المعهد هو احتفاء بالوعي السعودي الذي نضج حتى صار قادرًا على مساءلة ذاته وتوثيق تفرده.. لقد آن الأوان لنستعيد «الإنسان السعودي» لنضعه في سياقه الحضاري اللائق.
[email protected]



