نشأت أجيال وهي تسمع أن الشهادة مفتاح المستقبل، فصار الاهتمام لدى البعض بامتلاك المفتاح أكبر من تعلّم فتح الأبواب. ومع مرور الوقت، تراكمت المؤهلات في السير الذاتية، بينما بقيت مهارات التفكير والتواصل والمبادرة وحل المشكلات أقل حضورًا مما ينبغي.
لقد كانت الشهادة، ولا تزال، دليلًا على التحصيل والانضباط، خصوصًا في المهن التي تمس حياة الإنسان وحقوقه وسلامته. لكن التحدي يبدأ حين تُعامل الشهادة بوصفها ضمانًا دائمًا للكفاءة؛ فالعالم الذي كانت تتغير فيه المهن خلال عقود، أصبح يعيد تشكيلها خلال أعوام، وربما خلال أشهر، تحت تأثير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
وسوق العمل اليوم لا يكتفي بما حصّله الخريج من معرفة، بل يهتم أيضًا بما يستطيع أن يضيفه. فهو يحتاج إلى عقل يتعلم بسرعة، ويد تحسن التطبيق، وشخصية تستطيع العمل مع الآخرين، ووعي أخلاقي يدرك أن القدرة على الفعل لا تعني دائمًا مشروعية الفعل. فالمهارة ليست إجادة برنامج أو آلة فحسب؛ إنها القدرة على تحويل المعرفة إلى أثر، والمشكلة إلى فرصة، والفكرة إلى قيمة نافعة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن ننقلب من الاهتمام المفرط بالشهادة إلى اهتمام مفرط بالمهارة. فمجتمع المهارات بلا معرفة عميقة قد ينتج منفذين بارعين، لكنه لا يصنع بالضرورة مفكرين أو قادة. والمهارة التي لا يسندها علم قد تنجح في أداء المهمة، لكنها قد تعجز عن فهم معناها ونتائجها. لذلك ليست القضية اختيارًا بين الجامعة والتدريب، بل بناء جسر بينهما: الشهادة تمنح الخريطة، والمهارة تعلّمنا السير، والقيم تحدد الوجهة.
وهنا تقع المسؤولية على منظومة كاملة: جامعة تقيس قدرة الطالب على التفكير، لا ذاكرته فقط؛ ومؤسسة تمنح المتدرب خبرة عملية حقيقية، لا مقعدًا للمشاهدة؛ وصاحب عمل يبحث عن الكفاءة إلى جانب المؤهلات؛ وأسرة تكف عن اختزال مستقبل أبنائها في لقب اجتماعي. كما تقع على الفرد مسؤولية ألا يعتبر التخرج إعلانًا بانتهاء التعلم؛ لأن المعرفة في عصرنا سريعة التطور، أما القدرة على التعلم فهي رأس المال الأبقى.
ولا يقاس أثر التعليم بعدد الشهادات المعلّقة على الجدران وحدها، بل بقدرة العقول على تحويل العلم إلى إنتاج، والمعرفة إلى قرار، والطموح إلى منفعة عامة.
[email protected]



