كان أبي يمشي بيننا كأن الأرض تعرفه. لم يكن يحمل ألقابًا، ولا يسعى وراء إطراء، لكنه كان يحمل شيئًا أثقل وأبقى: كان يحمل معنىً. ذلك الرجل الذي جعل من البيت وطنًا، ومن الكلمة عهدًا، ومن الوفاء منهجًا، ومن الحضور أمانًا. رحل منذ ثماني سنوات، وفي شهر رمضان الكريم الذي أحبه، ولا تزال روحه تُلقي بظلالها علينا في كل فعل خير نفعله، وفي كل يد نمدّها، وكل صلة نصلها.
كان يؤمن أن الرجل لا يُقاس بما يملك، بل بما يزرع. تحمّل المسؤولية مبكرًا، فوجد نفسه عمود البيت وسنده، دون شكوى. ربّى نفسه على أن العطاء شرف لا عبء، وكان يغترف من معينه العميق كل يوم، ويسقي من حوله بهدوء من لا يبحث عن شكر. علّمنا، بلا كلام كثير، أن صلة الرحم نبضٌ لا يتوقف، وكان يقطع مسافات بعيدة ليطمئن على صديق، أو يقف مع قريب في محنة، وعيناه لا تقولان: «أحسنتُ»، بل تقولان: «هذا واجب». بقيت تلك اللحظات التي ظننا أننا نشهدها فحسب، لكنها كانت تتشكّل في داخلنا دون أن ندري أو نعي.
واليوم، ونحن نتأمل أحفاده، نرى ذلك الظل يتجلّى في وجوه لم تعرفه، وأرواح تحمله دون أن تدري. الطفل الذي يبادر إلى مساعدة جدته دون أن يُطلب منه، والشاب الذي يصل رحمه لأن قلبه يعرف الطريق، والابنة التي تحمل هموم أبنائها بصبر وعزة نفس؛ كلهم يحملون بذرة زرعها رجل رحل بجسده وبقي بروحه. لتدرك أن الإرث الحقيقي هنا، في تلك اللحظة التي يتصرف فيها الحفيد كما كان الجد يتصرف، دون أن يتعلم ذلك من كتاب.
خلاصة القول: أبي لم يرحل؛ ظله لا يزال يُظلّل خطانا، وصوته لا يزال يسكن قلوبنا حين نواسي، وأثره لا يزال يقود أيدينا حين نعطي، وقيمه لا تزال تُضيء طريقنا حين نختار الوفاء على الراحة. رحمه الله رحمةً تليق بكل ما أعطى، وجزاه عنا خير ما يجزي الآباء الذين جعلوا من حياتهم ظلًا ممتدًا وارفًا لمن أحبوا، فلا يمحوهم غياب.
[email protected]



