«وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّه - وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ - وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ»صدق الله العظيم.
اليوم أقدم لكم لقاءً خياليًا بين الحكمة والإنجاز، في حضرة وصايا لقمان الحكيم -رحمه الله-.
كان لقمان رجلًا صالحًا متواضعًا من أهل النوبة، يرعى الغنم أو يحتطب. جاءه رجل عرفه قديمًا فقال:
«ألستَ أنت الذي كنت ترعى الغنم معي؟»
قال: «بلى».
قال: «فما الذي رفعك إلى هذا المقام؟»
أجاب لقمان بهدوء: «صدق الحديث، والصمت عمّا لا يعنيني، وحفظ الأمانة».
تلك كانت الشرارة الأولى التي منحها الله لرجل متواضع، فصارت طاقة خالدة تنتقل جيلًا بعد جيل.
الحكمة «بصوت هادئ كالفجر»:
يا إنجاز، أنا الشرارة التي منحها الله للقمان. في وصاياه العشر أشعلت كل ما تحتاجه الأمة لتكون مفلحة. ليست كلمات تُقال، بل نور يذيب الحواجز بين العلم والعمل:
الشكر لله أساس كل حكمة، والتوحيد أول وصية لأن الشرك يطفئ النور، ثم بر الوالدين، ومراقبة الله حتى في حبة الخردل، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ما أصابك، والتواضع وترك التكبر، والاعتدال في المشي وخفض الصوت، والتأمل في آيات الله في الكون.
إن هذه الوصايا ليست مجرد مواعظ أخلاقية، بل هي نظام متكامل للتنمية الإنسانية يربط بين الروح والعقل والعمل؛ فالشكر يولّد الرضا الداخلي، والصبر يحوّل الصعاب إلى درجات، والتواضع يبني جسور الثقة والإنجاز المستدام، مما يجعل الحكمة وقودًا خالدًا للفلاح في الدنيا والآخرة.
وبالتطبيق العملي: من بدأ يومه بشكر نعمة واحدة، وصبر على مهمة صعبة، وتواضع في طلب العلم أو العمل، وجد أبواب الإنجاز تُفتح له واحدةً تلو الأخرى. وكل ذلك يقود إلى الفلاح الحقيقي: الإيمان مع العمل الصالح.
الإنجاز «بصوت متأمل»:
يا له من بركان هادئ! بدون هذه الوصايا أبقى دخانًا تائهًا. أخبريني.. كيف أبدأ؟
الحكمة:
ابدأ بالتوحيد والشكر، ثم بر الوالدين، ولا تستهن بأي عمل صغير. أقم الصلاة، وأمر بالمعروف، وانهَ عن المنكر، واصبر، وكن متواضعًا معتدلًا خفيض الصوت. هكذا تولد الإنجازات التي لا تنطفئ.
الإنجاز «مبتسمًا»:
الآن فهمت السر.. أنتِ الحكمة التي تشعل، وأنا الإنجاز الذي يحرق الحواجز. من يتبع هذه الوصايا العشر يصبح من المفلحين.
الحكمة:
ولم تبقَ هذه الطاقة في قلب لقمان وحده، بل انتقلت جيلًا بعد جيل في كثير من المجتمعات الناجحة. وفي بلادنا تجسدت في مسيرة طويلة من التأسيس إلى التنمية المعاصرة، حيث طُبِّقت مبادئ التوحيد والصبر والشكر والتواضع والاستثمار في العقول، وصولًا إلى رؤية طموحة تسعى لتنويع الاقتصاد وتمكين الإنسان وبناء مستقبل مستدام.
الحكمة «تتابع»:
وقد أشعلتها كذلك أقلام وأفكار رجال أسهموا في مسيرة التنمية، مثل الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- الذي قال:
«الطريق إلى التنمية يمر أولًا بالتعليم، وثانيًا بالتعليم، وثالثًا بالتعليم».
ومثل الدكتور محمد بن أحمد الرشيد -رحمه الله- الذي زار إحدى المدارس فلم يجد مديرها، فكتب في سجل الزيارات:
«أخي مدير المدرسة: حضرت إلى مدرستكم ولم أجدكم، ولكني وجدت أثرَكم كريح العود نشمّه ولا نراه».
الإنجاز «مبتسمًا»:
الآن فهمت.. الحكمة في أدبنا وتجربتنا ليست مجرد كلمات، بل وقود يدفع الأمة للتقدم جيلًا بعد جيل.
الحكمة «تنهي بهدوء عميق»:
إذن فلنشعل معًا هذه التوأمة.. الحكمة بلا إنجاز كشعلة في غابة مظلمة، والإنجاز بلا حكمة كبركان يحرق نفسه.
يا من تقرأ هذه السطور.. أشعل في نفسك هذه الطاقة اليوم، فغدًا ستجد الإنجاز يضيء لك طريق الدنيا والآخرة.
وفجأة.. يُطرق الباب بلطف، فيطلّ علينا التواضع بابتسامة هادئة، فيسلّم على الحكمة والإنجاز ويقول:
«أنا الذي إذا كنتُ جزءًا منكما أصبح الأثر أسمى وأبقى وأقرب إلى القلوب».



