نعيش في فضاء رقمي مكتظ بالمحتوى، تتسابق فيه المنصات على جذب الانتباه، وتعمل الخوارزميات على تعزيز كل ما هو مثير وسريع، لا كل ما هو عميق ومؤثر. ومع هذا الزخم بدأ يظهر نمط جديد من التفاعل يمكن وصفه بأنه حضور بلا وعي، ومشاركة بلا فهم.
التحدي: تفاعل لا يصنع وعيًا:
لم تعد الإعجابات والمشاركات مؤشرًا حقيقيًا على الوعي أو القناعة؛ فالكثير من المحتوى يُستهلك بسرعة، ويُعاد تداوله دون تحقق أو إدراك للسياق. وقد أسهم هذا الواقع في تشكّل رأي عام هش، يتأثر بالعاطفة أكثر من المعلومة، وبالانطباع أكثر من التحليل في بعض البلدان.
المشكلة هنا لا تتعلق بالجمهور بقدر ما ترتبط ببيئة رقمية تُدار بمنطق الأرقام، وتُقاس بالوصول لا بالأثر، مما جعل الرسائل الاتصالية في بعض الأحيان تفقد بعدها التنويري.
التنفيذ: حين أُسيء استخدام أدوات الاتصال:
في خضم التحول الرقمي، أُسيء توظيف أدوات الاتصال في كثير من التجارب، وتحوّل الاتصال المؤسسي لدى بعض الجهات إلى سباق نحو التفاعل اللحظي، وغاب التخطيط الاتصالي المبني على فهم الجمهور واحتياجاته المعرفية والثقافية.
كما أن غياب الاستراتيجية الواضحة، والاعتماد على محتوى موسمي أو ردود أفعال آنية، أسهما في إضعاف الثقة، وتوسيع الفجوة بين الرسالة والمتلقي؛ ليصبح الجمهور متلقيًا سلبيًا لا شريكًا في الاتصال.
الحل: إعادة الاعتبار للاتصال الواعي:
يكمن الحل في إعادة تعريف دور المنصات الرقمية ووظيفتها؛ فنحن بحاجة إلى اتصال رقمي واعٍ يوازن بين الجاذبية والمصداقية، وبين سرعة النشر وعمق المحتوى.
اتصال يقوم على التخطيط لا الارتجال، وعلى فهم الخوارزميات دون الخضوع لها، وعلى بناء محتوى يراكم الوعي ويخدم المصلحة العامة، لا أن يستهلك اللحظة فقط. كما أن الاستثمار في الكفاءات الاتصالية، وتعزيز الثقافة الإعلامية، أصبح ضرورة لضمان أن تبقى المنصات أدوات بناء، لا مساحات ضجيج.
وأخيرًا، فإن الإعلام الرقمي ليس أزمة في حد ذاته، لكنه قد يتحول إلى إشكالية إذا غاب التخطيط وحضرت العشوائية. وفي زمن تتسارع فيه الرسائل، يبقى الرهان الحقيقي على رسالة مسؤولة، وتنفيذ ذكي، واتصال يصنع أثرًا مستدامًا لا ضجيجًا مؤقتًا.
[email protected]



