تذكّرت هذه المفارقة بعد السجال والجدل الطويل الذي خاضته الحكومة اللبنانية والمجتمع اللبناني مع ما يُسمّى بـ«حزب الله»، الذي أشعل فتيل صراع غير مبرَّر وغير متوازن مع الكيان. فلبنان الرسمي، بدولته وجيشه وعلاقاته الدولية وتفاهماته مع الأطراف الإقليمية والدولية، توصّل برعاية الجميع إلى اتفاق يوقف إطلاق النار ويوقف العدوان على لبنان وعلى شعبه المسالم.
إلا أن الطرف المعتدي، وبعلم الجميع، لم يلتزم بكل بنود الاتفاق، ومن أبرزها انسحاب قوات الاحتلال من خمس نقاط عسكرية على التراب اللبناني. ومع ذلك، سعى الوسطاء إلى حصر المشكلة في هذه الجزئية والبحث عن حلول تجنّب لبنان وشعبه العدوان مجددًا.
وكانت كل المراوحات على مستوى التعاطي اللبناني الثنائي تقول بضرورة أن تكون هناك جهة واحدة في لبنان تحتكر ملكية السلاح وتخزينه واستخدامه، وهذه الجهة هي السلطة الشرعية عبر ذراعها الرسمي «الجيش اللبناني». غير أن هذا الفهم النظري بقي نظريًا، ولم يُصار إلى تطبيقه بشكل عملي على الأرض لأسباب كثيرة، منها تجنّب حالة من الصدام الداخلي قد تعيد إلى الأذهان مشهد الحرب الأهلية اللبنانية السابقة، خصوصًا أن ما يُسمّى بـ«حزب الله» اختار، عبر بيانات قياداته، نبرة تحدٍّ وتهديد باستخدام «الشارع» ضد الدولة اللبنانية، والمقصود هنا تهديد واضح بتأليب حاضنة الحزب الطائفية المدعومة إقليميًا ضد استقرار لبنان وأمنه.
هذه الوضعية جعلت الدولة اللبنانية تعوّل على تجاوب الحزب وتماهيه مع المصلحة العليا للبنان وللبنانيين، بعيدًا عن تحقيق أجندات القوى الإقليمية. وكأن السلطة اللبنانية قبلت باعتبار الثعبان السام الذي تتعامل معه كأرنب وديع يمكن ترويضه. ومع تطوّرات الأحداث، ظهر الثعبان الذي كان يُعتقد أنه أرنب على حقيقته، ونثر دفعات من سمومه على الشعب والدولة اللبنانية، وأعطى الذريعة الواهية للكيان لتجديد ضرباته الغاشمة ضد الشعب اللبناني الذي نزح من قراه وبلداته بعشرات الآلاف.
لذلك، تصرّفت الحكومة اللبنانية بتاريخ الثاني من مارس 2026 باعتبار الحزب ونشاطاته على التراب اللبناني عملًا غير شرعي، واعتباره كيانًا محظورًا قانونًا. وهذا تطوّر كبير، لكنه سيف ذو حدّين قد يجرح هنا وهناك.
[email protected]



