في زحمة الحياة وتسارع الأيام، قد تتباعد المسافات بين الأقارب، لا بسبب البُعد الجغرافي فقط، بل بسبب الانشغال أو الخلافات أو فتور المشاعر، لكن رمضان يأتي كنسمة رحمة، يذكّرنا بأن الروابط العائلية ليست مجرد علاقات اجتماعية، بل هي عبادة نتقرّب بها إلى الله، وسبب للبركة في العمر والرزق.
كم هو جميل أن يتحوّل الإفطار إلى فرصة للقاء بعد انقطاع، أو أن تكون دعوة بسيطة سببًا في إزالة سوء فهمٍ قديم، بل إن مكالمة هاتفية صادقة، أو رسالة ودّ، قد تعيد الدفء إلى علاقة كادت أن تبرد، صلة الرحم لا تحتاج إلى تكلّف، بل إلى نية صادقة وقلبٍ متسامح.
رمضان هو أفضل الأوقات لفتح صفحة جديدة؛ فالشياطين مُصفّدة، وأبواب الرحمة مفتوحة، والقلوب أكثر استعدادًا للعفو والتسامح. فكيف نطلب المغفرة لأنفسنا ونحن لا نبادر بالإصلاح مع أقرب الناس إلينا؟
إن صلة الرحم في رمضان ليست مجرّد عادة اجتماعية تُمارس في المناسبات، بل هي عبادة لا تغيب بين الإفطار والسحور، ولا تنفصل عن روح الصيام، فمن أراد أن يكتمل أجره، فليجمع بين صيام الجوارح، وصلة الأقارب، وبذل المعروف، فهناك فقط تكتمل صورة رمضان كما ينبغي أن تكون..
فلنجعل من هذا الشهر بداية وصلٍ بعد هجر، وبداية عفوٍ بعد خصام، لعلّ الله أن يصلنا برحمته كما وصلنا أرحامنا ..!!
ولأن رمضان شهر المبادرات الجميلة، فإن أعظم مبادرة قد يقوم بها الإنسان هي أن يبدأ هو بالخطوة الأولى، حتى وإن لم يبدأ الآخرون، فصلة الرحم الحقيقية لا تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، بل على الإحسان والاحتساب، قد لا يُقابل لطفك بلطف، ولا اعتذارك باعتذار، لكن يكفي أنك فعلت ذلك ابتغاء مرضاة الله،
وليس المقصود بصلة الرحم الزيارات الطويلة فقط، فظروف الحياة قد لا تسمح دائمًا بذلك، لكن المعنى أوسع وأعمق. قد تكون الصلة بدعوة صادقة في جوف الليل، أو سؤالٍ عن حال مريض، أو مشاركةٍ في فرحة، أو مساعدةٍ في ضيق، إنها مشاعر تُترجم إلى أفعال، وأفعال تُثمر مودة ورحمة.
شمعة مضيئة:
وفي رمضان تتضاعف الأجور، وتُفتح أبواب الخير، فيكون أثر الصلة أعظم، وبركتها أوسع، الأسرة المتحابة تنعكس سكينتها على الأبناء، وتزرع في نفوسهم معنى الترابط والوفاء. وهكذا لا تكون صلة الرحم أثرًا لحظة عابرة في شهر كريم، بل سلوكًا ممتدًا بعد انقضاء الشهر.
فلنسأل أنفسنا قبل أن ينتهي رمضان: من القريب الذي تأخرنا عن سؤاله؟ من القلب الذي ينتظر منا كلمة؟ من العلاقة التي تحتاج إلى إصلاح؟
ربما تكون خطوة بسيطة اليوم سببًا في رضًا عظيم غدًا..
رمضان أيام معدودة، لكن أثر صلة الرحم قد يمتد عمرًا كاملًا. فاجعل بين الإفطار والسحور عملاً خفيًا لا يعلمه إلا الله.. وابتسامة تصل بها رحمًا.. وكلمة تصل بها قلبًا.. لتكون ممن جمعوا بين صيام الجسد وصفاء الروح، ونالوا بركة الشهر كاملة .
من محطة بين الإفطار والسحور.. صلة الرحم عبادة لا تغيب.. أُحدثكم.. «قلمي»
[email protected]


