في إحدى المرات قرأت منشورات لأمريكيات من أصولٍ إفريقية، مشحونة بالغضب تجاه السيدات البيض من مجتمعهن اللاتي يجدلّن شعرهن بطريقة معينة، وبحد قولهن «تُعد تسريحة ثقافية تتفرد بها الإفريقيات». في الوهلة الأولى لم أجد مبررًا لهذا الغضب، بل حتى أن «الجدايل» من التسريحات المتعارف عليها عند العديد من الثقافات بصفتها موروث مشترك. لكن مع الوقت، فهمت أن لهذا الغضب جذور أخرى تفوق مجرد تسريحة شعر، ولكن تأتي من باب صون وحماية الثقافة.. والسؤال هنا: ما الذي هيضته الجدايل؟
بين عنجهية الثعلب وحميّة الأسد مثالٌ واقعي إنساني، فغضب الأسد لم يكن للعباءة بقدر ما كان لثقافته الأسدية المتفردة. قد يُعجب الثعلب بها.. نعم، ولكن لا يبرر تقمصه.
في ثقافة الإنسان قوة ناعمة متفردة، وعندما نلمح خطورة تهدد موضعها، يعني أن نهدد ما يجعل الإنسان.. إنساناً! فهُويته ليست بمعزل عما يشكّل وجدانه وتراثه. ولذلك كانت كل الدول الذكية بخطواتٍ استباقية تفرض ثقافتها عَلمًا صريحًا في حقول العالم. لم تتعب مثلًا أمريكا نفسها لتقول «نحن كذا وكذا» ولكنها بسلاسة من خلال الفن استطاعت الوصول لكل منزل، سلاحًا ثقافيًا ناعمًا، جعل الكل يتسائل «هل يجب أن أزور نيويورك في الشتاء؟ أو أصيّف في ميامي؟»، وغزو لغتها لكل عقلٍ يبحث عن التطور. فرنسا في الجانب الآخر، تمكنت من سحر الناس، وموضعة نفسها معلمًا ومقصدًا للـ «برستيج» والموضة.. ولكنها لم تتحفظ يومًا على لغتها في انفتاحها، بل مجددًا، فرضتها مفتاحًا لها؛ لتكون واحدةً من أكثر اللغات تحدثًا في العالم . وهنا يتجلى مربط الفرس، اللغة كمفتاحٍ ثقافي ومجتمعي، وأساس الهُوية المتينة.
في دراسات اللغويات التطبيقية تردد سؤالٌ وجودي.. «ما العلاقة بين اللغة والهُوية؟» وعلى قدر النظريات كان المصب يعود دومًا أنهما ليستا بمعزلٍ عن بعضهما، فـلا لغة بدون هُوية تترجمها، ولا هُوية تقوم وتسود بدون لغة.
في عالم التواصل الجنوني اليوم، وفي حضرة العولمة، صارت المجتمعات أقرب لبعضها كما لم تكن في أي وقتٍ مضى، هذا الانفتاح الذي يعرّفنا على بعضنا وعلى اختلافاتنا، ولكنه بصورةٍ مخفية يجعلنا نسخًا متشابه، ومملة. لم تهيّض مقالة اليوم الجدايل وحدها، ولكن كل الفنون التراثية التي ترجمت بركاكة وانتزعت من رحم ثقافتها تحت ذريعة «المشاركة» .. ليتجدد ذات السؤال: وهل يعني أن نشاركهم صورةً ركيكة منّا.. لأجلهم؟
في المقامات الدبلوماسية يحرص المسؤولون على التحدث بلغتهم الأم، لمَ لا؟ وهي فرصةٌ من ذهب للاعتزاز بهُويتهم على المنابر العالمية، وعلمهم الوافي بأن وجودهم بحد ذاته سيتُرجم لمئات اللغات. وفي نظرة بسيطة لظهور سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - في المحافل العالمية ستجده يُبدّي العربية في كل مرة؛ يقينًا راسخًا أنها أداة ثقافية فائقة الأهمية. هذا الحضور الذي يلهم ويقود قرار السياسة الوطنية للغة العربية اليوم، بصفتها مظلةً لتعزيز وترسيخ هويتنا العريقة، وتجدد ضرورة الاعتزاز بها وصونها في حلّها ومشاركتها.
واختم الحديث بما قاله صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظه الله - في لقاء تلفزيوني،: «إذا هويتك لن تستطيع أن تصمد مع التنوع الكبير في العالم يعني أن هويتك ضعيفة ويجب الاستغناء عنها. وإذا هويتك قوية وأصيلة تستطيع أن تنميها وتطورها وتعدل سلبياتها وتحفز إيجابياتها؛ يعني أنك حافظت عليها.»
[email protected]



