مرحلة «ما قبل الانتقال لسوق العمل» تعتبر من أهم المراحل العملية للخريجين والباحثين عن العمل، وهذا القرار يُعد نقلة نوعية في سياسات التوظيف والتدريب قبل الانتقال الرسمي لسوق العمل، فهو لا يقتصر على كونه إجراءً تنظيمياً فقط، بل يعتبر استثماراً استراتيجياً مُنظم في الرأس المال البشري من خلال وضع حزمة من الضوابط المنظمة التي تضبط العلاقة بين جميع الأطراف وتحقق أعلى معايير الجودة والشفافية، مما يساهم في اكتساب الخبرات العملية والتطبيقية داخل بيئة العمل الحقيقية لبناء جيل منتج وجاهز للدخول في سوق العمل.
يمثل هذا القرار محطة فارقة في المسار المهني للأفراد من الخريجين والباحثين عن عمل، حيث ينقلهم من مرحلة المعرفة النظرية إلى مرحلة التطبيق العملي والممارسة الواقعية، وهذه التجربة العملية تهيئ الفرد ليكون أكثر جاهزية وإنتاجية عند التحاقه بالوظيفة، كما تمكنه من بناء شبكة علاقات مهنية واسعة تسهل اندماجه في سوق العمل، ولا يقتصر أثر هذا القرار على الأفراد فقط، بل يمتد ليشمل منشآت القطاع الخاص التي ستجني ثماراً استراتيجية على المديين المتوسط والطويل، فمن خلال استقبال المتدربين، تستطيع المنشآت اكتشاف المواهب الواعدة والكفاءات الشابة عن قرب، وتقييم أدائها بشكل عملي قبل الالتزام بتعيينها، مما يخفض من تكاليف ومخاطر التوظيف التقليدي ويضمن انتقاء أفضل العناصر التي تتناسب مع ثقافة المنشأة واحتياجاتها.
في مقالات سابقة، تطرقت لأهمية وجود استراتيجية تُعنى بمرحلة تأهيل الشباب قبل التحاقهم بسوق العمل، وترتكز على ثلاثة عناصر أساسية، حيث يتمثل العنصر الأول في إعادة هيكلة فترة التدريب الميداني أو الصيفي للطلبة قبل التخرج، بحيث تُمدد مدته الزمنية وتُحدد متطلباته بشكل أكثر صرامة وفاعلية، أما العنصر الثاني فيتمحور حول جعل العمل التطوعي مكوناً إلزامياً في الحياة الأكاديمية للطالب، وذلك عبر تخصيص عدد محدد من الساعات سنوياً لكل مرحلة دراسية، ويركز العنصر الثالث على استحداث وثيقة إلكترونية مهارية لكل طالب سعودي، تُسجل أبرز الكفاءات والمهارات التي اكتسبها خلال مسيرته التعليمية، بالإضافة إلى الأنشطة والبرامج التي شارك فيها، لتكون بمثابة مرجع موازٍ للشهادة الأكاديمية مما يعزز من فرصه التنافسية.
ختاماً؛ الوضع الحالي للتعليم لا يكفي لتقليل الفجوات في سوق العمل، فعلاقة التعليم بسوق العمل تعتبر علاقة تكاملية، وأساس تلك العلاقة ينبغي أن ينصب على «الميدان» بشكل أكبر من الاعتماد على «التعليم بالقاعات» من خلال مناهج نظرية، وهنا يبرز دور برنامج «تنمية القدرات البشرية» الذي يتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية في هذا الجانب بالشراكة مع وزارة التعليم، فمن غير المقبول أن تظل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية هي الجهة الوحيدة التي تقود مبادرات الإصلاح في سوق العمل «كما شهدنا خلال الأعوام الماضية» حيث تحملت العبء الأكبر بمفردها تقريباً، بل لا بد من توزيع الأدوار وتكامل الجهود لتحقيق نقلة نوعية حقيقية .
مستشار موارد بشرية
[email protected]



