يبدأ المشهد قبل الفجر بقليل، حين تُضاء المطابخ في وقت لا يزال فيه النوم سيد الوقت، تتصاعد رائحة القهوة والتمر، وتُقرقر أواني السحور، كأن الليل اتفق مع أهل البيت على هذا الموعد السري، ثم تهدأ الأحياء فجأة بعد صلاة الفجر، ويبدأ نهار رمضان من حيث تنتهي نهارات الأيام العادية بنوم ثقيل وشوارع شبه خالية، وفي ساعات الضحى والظهيرة، تبدو البلاد كأنها أسدلت ستارة ثقيلة، والسيارات أبطأ من المعتاد، والوجوه التي تصادفها تحمل هدوءاً يشبه الصيام نفسه، المطاعم تعمل خلف أبواب شبه موصدة، وقد فقدت روحها الصاخبة، وحتى مواقع البناء تبدو أكثر تمهلاً، كأن الزمن قرر أن يصوم هو الآخر.
ومع اقتراب موعد المغرب، يبدأ مشهد مختلف تماماً، الشوارع تمتلئ فجأة بسيارات تتسابق نحو البيوت، ورائحة السمبوسة واللقيمات تتسرب من نوافذ كل حي، وحين يُرفع الأذان، تسكن المدن لحظة كاملة، ثم تنفجر بعدها بحركة وضجيج وفرح يشبه الانتصار، أما الليل فحكاية وعالم بحد ذاته، الأسواق تبلغ ذروتها بعد منتصف الليل، والمجالس تمتد حتى السحور، والأطفال يلهون في الشوارع في ساعات كانت حِكراً على النوم، حتى الهواء يبدو مختلفاً وأكثر حيوية، كأن رمضان منح الليل ما أخذه من النهار.
هذا التحول العميق هو ما يجعل رمضان تجربة حسية قبل أن تكون روحية، تراه في الشارع قبل أن تقرأه في الكتب، وتشعر به في إيقاع المدن قبل أن تسمعه في الكلام، والزائر الذي يشرفنا في رمضان لأول مرة سيُصاب بدهشة حقيقية، إذ يجد بلداً تعيش دورة يوم معكوسة تقريباً، تنام حين يستيقظ العالم، وتصحو حين ينام، لكن الأعجب من ذلك أن هذا التحول في الروتين لا يُفضي إلى فوضى أو توتر، بل، وعلى العكس تماماً، يُنتج نوعاً فريداً من الانسجام الاجتماعي.. الجيران يتبادلون أطباق الإفطار، وفي الشوارع يوزع إفطار صائم، والبلاد بكل ضجيجها الليلي تبدو أكثر دفئاً وأُلفة مما كانت عليه طوال العام.
وخلاصة القول، شهر كريم فيه الحياة لا تتوقف، بل تبلغ أبهى صورها.
[email protected]


