كما يظن بعد حصوله على الشهادة، أن الأبواب ستُفتح تباعًا.. وإن عبوره خلالها من مرحلة إلى أخرى هو مسألة محسومة..
تجد الطالب يحمل سيرته الذاتية كما يحمل قلبه، ويمضي مجاهدًا نحو حلمه الوظيفي.
لكن الواقع سبدو مختلفاً امامه.. الواقع لا يصفّق.. الواقع يقول:
«نعتذر لعدم قبولكم.»
ثم يكررها بصيغة مختلفة، وبنبرة أكثر برودًا.
وهنا تبدأ العجلة الملتهبة بالدوران، عجلة الطموح حين تصطدم بغياب التوجيه، وعجلة الاجتهاد حين لا تجد مسارًا واضحًا، فتدور بسرعة.. وتُرهق صاحبها قبل أن توصله.
ليست المشكلة في الرفض ذاته، فالرفض جزء من الحياة.. المشكلة أن كثيرًا من شبابنا يدخلون سوق العمل بلا بوصلة مهنية واضحة، بلا تشخيص حقيقي لميولهم، وبلا تدريب نوعي يربط بين ما درسوه وما يحتاجه السوق فعلاً .
نسأل بصدق:
لماذا لا تكون هناك برامج تأهيل مهني مجانية، برعاية مؤسسات تعليمية وتنموية، تبدأ قبل التخرج لا بعده؟
لماذا لا يُمنح الطالب في سنته الأخيرة تقييمًا احترافيًا لقدراته، يُبنى عليه مسار تدريبي متخصص مرتبط بمسمى وظيفي محدد؟
إذا كانت بعض الوظائف تتطلب مهارات تحليل دقيقة، أو كفاءة تقنية متقدمة، أو ذكاءً تواصليًا عاليًا، فلماذا لا توجد برامج مصممة خصيصًا لإعداد المتقدمين لهذه المسميات؟
لماذا يكتشف الخريج متطلبات الوظيفة بعد أن يُرفض، لا قبل أن يتقدم؟
نحن لا نحتاج إلى زيادة أعداد المتقدمين.. نحتاج إلى رفع جودة الجاهزية.
في سيرة الصحابي الجليل سلمان الفارسي درس عميق في معنى البحث عن الطريق، تنقل بين بلدان، وخاض تجارب متعددة، وتأخر وصوله إلى الحقيقة سنوات طويلة، لكن تعثره لم يكن ضياعًا؛ كان إعدادًا ، حتى إذا وصل، وصل ثابتًا عارفًا بما يريد.
شباب اليوم لا تنقصهم الرغبة، ولا تنقصهم الشهادات، لكن ينقصهم من يمسك بأيديهم قبل أن تلتهمهم العجلة الملتهبة.
المطلوب اليوم شراكات حقيقية بين الجامعات، والقطاع الخاص، والقطاع غير الربحي؛ تصنع منصات إرشاد مهني، وبرامج تدريب دقيقة مرتبطة باحتياج السوق، ومسارات احتضان مهني لعام كامل بعد التخرج.
لأن ترك الشاب وحيدًا في أول الطريق لا يصنع صلابة، بل قد يصنع إحباطًا مزمنًا، ولأن كل رفض بلا توجيه يتحول إلى شرارة احتراق، بينما الرفض مع بوصلة يتحول إلى خطوة تصحيح.
العجلة الملتهبة لن تتوقف عن الدوران، لكن يمكننا أن نضع لها مسارًا واضحًا، حتى لا يحترق الحلم قبل أن يكتمل، وحتى يتحول الاحتراق من ألمٍ صامت.. إلى طاقة تدفع نحو مستقبلٍ أصدق وأجدر.
[email protected]



