أبي يسري في دمي كما تسري الحقيقة في السؤال، وكما يسري الخوف في قلب من يحب.
كلما نظرتُ في المرآة، لم أرَ وجهي وحده، بل رأيت ظله واقفًا خلفي، يبتسم بصمته المعتاد، ويتركني أكمل الجملة التي بدأها في حياتي.
أبي لم يعلّمني بالكلام الكثير، علّمني بالفعل. كان يمشي مستقيما دون أن يلتفت، وكأن الطريق يعرفه ويحترمه.
من كتفيه تعلّمت معنى الاحتمال، ومن يديه فهمتُ أن التعب ليس عيبا، بل وساما لا يراه إلا من جرّبه.
حين كان يعود متأخرا، كنت أعرف أن اليوم كان قاسيا، وحين يبتسم دون سبب، كنت أعلم أنه انتصر على شيء لم يخبرنا عنه.
أبي في دمي حين أغضب فأصمت، وحين أُهزم فأتماسك. في نبرتي شيء من صوته، وفي عنادي قطعة من عناده.
أكتشفه في قراراتي الصعبة. في لحظة التردّد التي تسبق الشجاعة، وفي الشجاعة التي تأتي متأخرة لكنها تأتي.
كان يخطئ ويعتذر بصمت، ويصيب دون أن يفاخر. علّمني أن الرجولة ليست قسوة، وأن القوة ليست ضجيجا. علّمني أن تحبّ عائلتك، يعني أن تتألم وحدك كي يناموا مطمئنين، وأن الوطن قد يبدأ من بيت صغير.
من لقمة خبز حلال، ومن كلمة حق لا تُقال إلا حين يجب.
كبرتُ، واكتشفت أنني أحمل أسئلته نفسها: كيف نعيش بكرامة؟ كيف نحافظ على أنفسنا دون أن نفقد قلوبنا؟ وكيف نكون عادلين في عالم لا يمنح الوقت للعدل؟
عندها فهمت: أبي لم يتركني. هو انتقل فقط من المقعد المقابل إلى داخلي.
الأبوة ليست لقبا، بل معركة يومية بلا جمهور، وأن الانتصار فيها لا يُقاس بالتصفيق، بل بالطمأنينة.
سيبقى أبي في دمي ما بقيتُ أبحث عن الصواب.
نهاية:
الإنسان يُعرَف بما يعطي لا بما يأخذ.
[email protected]



