ومن هذه اللحظة يتكشّف الخطر الأكبر: لقد انتقلت الطمأنينة من داخلنا إلى خارجنا. صارت قيمتنا معلّقة بعدّاد الإعجابات، ومزاجنا رهينة تعليق عابر، وثقتنا بذائقتنا مرهونة بمديحٍ رقمي سريع الزوال. لم نعد نلبس ما نحب، بل ما نتوقع أن يُحبَّه الآخرون، وكأن المرآة الحقيقية لم تعد في البيت، بل في شاشة صغيرة تلمع في أيدينا.
وبالتدريج نشأ نوع جديد من الهشاشة النفسية. فبحسب دراسات أكاديمية حديثة حول «اقتصاد الانتباه»، صُمّمت الخوارزميات لتشدّنا بخيوط غير مرئية: إشعارٌ مفاجئ يطلق دفعة دوبامين، فنعود للمزيد، ثم نختبر فراغاً أعمق. وهكذا ندور في حلقة من القلق والترقّب لا تنتهي. والأخطر أنّ هذا السلوك لا يصيب فئة بعينها؛ إنه يعبر الأجيال والطبقات، من المراهقين إلى الراشدين، ومن الناس العاديين إلى المثقفين .
وفي الوقت نفسه يتراجع حضورنا الحقيقي في العالم الملموس. لقاءاتنا تختصرها رسائل متعجّلة، وحديثنا يصبح مقتطعاً، وعلاقتنا بالذات تتسطّح لأننا مشغولون دائماً بما سيراه الآخرون. ومع تراكم هذه التحوّلات، نكتشف أننا أسرى لمنصّات لم تُقيّد أجسادنا لكنها احتلت انتباهنا ومشاعرنا.
ومع ذلك، ومن هنا يبدأ الأمل، فليس هذا الأسر قدراً محتوماً. يمكننا، إذا أردنا، أن نستعيد زمام العِلاقة بالتقنية لا عبر الهروب منها، بل عبر استخدامها بوعيٍ مختلف: أن نمنح أنفسنا مساحات يومية بلا شاشة، وأن نعيد الاعتبار للحديث وجهاً لوجه، وأن نتدرّب على الثقة بذائقتنا قبل طلب تصديق الجمهور عليها، وأن نحدّ من الإشعارات التي تخطف تركيزنا، وأن نعلّم أبناءنا معنى القيمة الذاتية التي لا تُقاس بالأرقام. بهذا التحوّل الهادئ نستعيد توازننا؛ فالتقنية تبقى أداة نافعة حين نخضعها لغاياتنا الإنسانية بدل أن نخضع نحن لمنطقها التجاري.
وبين الخطر والأمل تتبلور الحقيقة البسيطة: لسنا ضحايا عاجزين، بل شركاء في صناعة واقعنا الرقمي.
وخلاصة القول، نكون أحراراً حين نستخدم الشاشة بلا أن تستخدمنا.
[email protected]



