قبل أعوام قليلة، كانت كتابة التقرير، أو تحليل البيانات، وغيرها، تتطلب أعوام من التعلم والخبرة، بينما اليوم يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتج نتائج مقبولة في دقائق، فالتوجه الحالي ليس هل تستطيع القيام بالمهمة، لأنها أصبحت متاحة للجميع تقريباً أو للمهتمين بشكل أدق؛ بل ما الذي تضيفه أنت ولا يستطيع الذكاء إضافته!
ومن هذا المنطلق بدأت ملامح الاقتصاد الجديد، والذي سُمِّي باقتصاد الندرة البشرية، والذي لا يعني أننا أصبحنا أقل عدداً، بل لأن صفاتنا البشرية التي يصعب استنساخها أصبحت أكثر ندرة من أي وقت مضى، ومع العلم بأننا لن نصل إليها الآن ولا غداً، لأننا مازلنا نُغذي الذكاء ويتغذى بنا للأعوام القريبة القادمة.
إلى ذلك الحين، كثيرون يعتقدون أن الإبداع سيكون الحصن الأخير للإنسان، وربما كان هذا واقعاً حقيقياً قبل أعوام، أما اليوم فقد أصبح الذكاء الاصطناعي يرسم، ويؤلف الموسيقى، ويبتكر أفكارا تبدو إبداعية، هذا لا يعني أن الإبداع انتهى، لكنه يعني أنه لم يعد الميزة الحاسمة التي يمتلكها الإنسان وحده، بل القدرة على تحمل مسؤوليتها، وهذا هو الحصن الحقيقي.
فالآلة تستطيع أن تقترح ألف قرار، لكنها لا تتحمل تبعات أي منها، فمثلاً تستطيع أن تكتب عقداً، لكنها لا تتحمل قانونيته، وهذا يقودنا إلى أن المستقبل، لن يكون النادر فيه هو من يعرف، ولا حتى من يبدع، بل من يملك حكماً سليماً، وسمعة موثوقة، وقدرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه، وهذا ما يُبنى عبر التجربة، الثقة، والمسؤولية.
ربما لهذا السبب، كلما ازدادت وفرة الذكاء الاصطناعي، ازدادت قيمة الإنسان الحقيقي، لا الإنسان الذي يكرر ما تقوله الآلة، بل الإنسان الذي يعرف متى يوافقها، ومتى يعارضها، ومتى يتحمل مسؤولية قرار يخالف ما اقترحته.
@2khwater



