ليس كل دفاع يعني اتخاذ موقفٍ أخلاقيٍ، ولا كل وقوف مع الآخرين دليل على الوفاء! أحياناً يكون الدفاع خطأً غير واضح، لا يظهر أثره على الفور، لكنه ينقلب على صاحبه عند أول اختبار حقيقي.
الدفاع الخاطئ لا يبدأ بسوء نية، بل غالباً بحسن تقدير زائد، شخص يرى في شريكه، أو زميله، أو قريبه، نية طيبة أو يعتبر نفسه ملتزم به ضمنياً، فيبادر بتخفيف المسؤولية عنه، أو تبرير قراراته، أو الوقوف أمام النقد بدلاً منه؛ في الظاهر يبدو هذا سلوكاً نبيلاً، لكنه في العمق يؤسس لاختلال خطير في ميزان المسؤولية.
المشكلة لا تكمن في الدفاع ذاته، بل في توقيته وحدوده! حين يُقدَّم الدفاع قبل أن يتحمل الطرف الآخر نصيبه من المساءلة، يتحول إلى غطاء، وحين يتكرر، يصبح رسالة ضمنية بأن الهروب ممكن، وأن هناك من سيتولى المواجهة عوضاً عنه.
عند أول موقف جاد، ينكشف الخلل؛ يتنصل الطرف الذي اعتاد الحماية، ويرمي العبء بالكامل على من دافع عنه سابقاً، ليس بالضرورة لأنه شخص سيئ، بل لأنه لم يُدرَّب يوماً على الوقوف في وجه النتائج؛ الدفاع المستمر حرمَه من اختبار المسؤولية، فاختار أسهل الطرق، ألا وهو الانسحاب.
في السياق المهني، هذا النوع من الدفاع يخلق بيئات غير عادلة؛ يتحمل فيها الواضح، الصريح، والمبادر عبئاً أكبر من غيره، بينما ينجو المتردد أو المتخفي خلف الآخرين؛ أما في الحياة الشخصية، فيؤدي إلى علاقات غير متوازنة، يكون فيها أحد الأطراف حاضراً بالكامل عند الأزمات، والآخر غائباً عند الحساب.
الدفاع الخاطئ لا يؤذي فقط من دافع، بل يشوّه مفهوم الدعم نفسه، إذ يخلط بين المساندة والمجاملة، وبين الشراكة والوصاية، والدعم الحقيقي لا يُلغي المسؤولية، بل يطالب بها، ويقف بجانب صاحبها لا أمامه.
ربما يكون الدرس الأهم هنا أن الدفاع عن الآخرين يجب أن يكون مشروطاً بقدرتهم على الوقوف معنا عندما تتجه الأنظار إلينا، أما الدفاع الذي يُقدَّم بلا مساءلة، فهو ليس قوة أخلاقية، بل مخاطرة مؤجلة، غالباً ما تُدفع فاتورتها في أسوأ وقت.



