في عصرٍ يركض بقدميه ناحيةَ كُل ما هو جديد وغريب، غير آبهٍ بجرس المخاطر من حوله، بأقل اكتراث حول ماهية الأشياء ومصدرها، عصرٍ لا يقف احترماً لكُل لحظة ليحتفي بشعورها، لأنهُ مشغولٌ بجمالِ الإطار أكثر من الصورة نفسها.
اخترتُ أن أكون في زاويتي الخاصة، المأهولة بالدفء واللحظات المشابهة لحقيقتي حتى وان كانت نغمة تلكَ اللحظات هادئة أو صامتة، زاويتي الخالية من المجاملات، والكلمات الجاهزة، زاويتي التي تحمل الكثير من المعاني الصادقة، لا زلتُ أمجد الرسائل الورقية التي تُكتب بخط اليد، أحتفظ ببطاقات الهدايا، أحن لأعوام الطفولة ، كما أحب الجديد الذي يمنح الذات المعنى و الفائدة ، وبالرغم من هذا كله فأنا أسير ضمن مساري الخاص، الذي لا يتأثر بالضوضاء والزيف السريع في عالمٍ يعج بالنسخ المتكررة.
يولد الإنسان وهو صفحة بيضاء، لكن شخصيته لا تبقى كذلك فهي تتشكل عبر تفاعل معقد بين الفطرة والتجربة، منظومة متشابكة من أفكاره ومشاعره وقيمه وطريقته في الاستجابة، فالعمق الداخلي لكُل إنسان يظل مختلفاً ، تزداد هذهِ الفرادة وضوحاً مع مرور الوقت، فالتجارب لا تمر على الجميع بالطريقة ذاتها، وإنما لكل انسان طريقته الخاصة في التعامل معها، لذا فشخصية كل إنسان ليست ثابتة، وإنما هي كيان حي قابل للتعليم والتطوير وإعادة التشكيل باستمرار، يقول الفيلسوف والمؤلف الإنجليزي شسترتون بأن:
(الجمادات يمكنها السير مع التيار، أما الكائنات الحية فهي الوحيدة التي يمكنها السير عكسه) تدل مقولته الشهيرة هذه على قدرة الإنسان الفريدة والعجيبة على المقاومة والتطور وتحكيم العقل والمنطق للسير بالاتجاه الذي يناسبه، بخلاف الجمادات التي تستسلم للتيار الذي يحركها بأي اتجاهٍ كان، وما أكثر الأحياء اليوم الذين يحملون روح الجمادات، تلكَ التي يجرفها التيار أياً كان اتجاهه.
تشير الدراسات الحديثة من الناحية العلمية إلى أن المشي عكس الاتجاه يحفز العقل ليصبح التفكير أكثر صفاء، وينصح الأطباء أيضاً بالمشي عكس الاتجاه لدقائق معدودة في حال المرور بموقف صعب الأمر الذي يعزز قدرة العقل على اتخاذ القرار السليم، كما أثبت الباحثون إلى أن مخ الإنسان يصبح في أعلى مستوياته عند السير عكس الاتجاه ما يدل على أن المشي عكس التيار ليسَ سيئاً دائماً وإنما قد يكون أكثر فائدة.
الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لذا فإن التأثر بالآخرين أمرٌ وارد، لكن الحكمة تقتضي بأن الإنسان الطموح الذكي لا يجب أن يكون ثمن توافقه مع الآخرين هو خسارته لنفسه الفريدة ليجد نفسه في نهاية المطاف ضمن دائرة غير سوية تختلف معه في كل شيء في مبادئه ورغباته الحقيقية، بل عليه أن يحمل شخصيته الفريدة من نوعها.
القيمة الحقيقية لا تكمن في التشبه بالآخرين بل في فهم الذات وتقبل اختلافها، وحين يحترم الإنسان تفرده يصبح أكثر قدرة على احترام اختلافات الآخرين وأكثر انسجاماً مع العالم من حوله.
ومضة:
شخصية الإنسان ليست ميزة عابرة، بل هي بصمة إنسانية عميقة تترك أثرها في هذه الحياة.



