ضاق فضاء الكلمات لحظتها في عقلي بقدرِ ما اتسع، هزمتني ذكرى وجهه السمح البشوش، ورهافة ابتسامته المليئة بالحنان، لأتمتم بكلماتٍ أحفظها وأرددها مواساةً لنفسي ولبناتهِ «لا يرحل سوى الطيبون، لا يرحل سوى الطيبون»، لا أعلم من قائل هذهِ الكلمات ولا مصدرها، ولكنها كانت قادرة على أن تواسي ثرثرة عقلي الذي لم يستوعب الخبر حينها، عزائي يومها بأن الله يعلم عظم الشعور، ومرارة الفقد، ولولا يقيني بلطفه ورحمته لما تماسكت وصبرت.
أوجاع الفقد ثقيلة وموجعة، ولكنها إحدى سنن الحياة التي تتقلب أحداثها وفصولها وتتبدل ظروفها في غمضةِ عين، فهي لا تستقر على حالٍ واحدة، نتذوق مرارة الفقد مع كُل خبرٍ نتلقاه، لأننا نتعثرُ بذاكرتنا التي تُعيدَ عرض الصور الأخيرة، والكلمات الأخيرة، لنجد أنفسنا نتخبط بموجة بحر هائج من الذكريات الماضية التي لن تعود مرةً أخرى.
كُل هذهِ الأوجاع تعلمنا الإصغاء للهمسات التي ضاعت في زحامِ الحياة، تجعلنا أكثر تقديراً لكُل كلمة نطقَ بها الراحلون ولم نمجدها، ترشدنا لنصبح أكثرَ إدراكاً بأن كُل شيءٍ سيرحل يوماً ما، فالبقاء لله وحده، لنكتسي بذلكَ اليقين حُلل الهدوء، والسكينة، والقبول، والتسليم، ويصبح التحدي الأكبر الآن هو أن نستمد قوتنا من كُل تلكَ الأوجاع، ونملأ صفحاتنا بقصائد الحب الذي نحمله في أعماقنا بحبرِ الأمل الذي يؤكد لنا بأن هناكَ بداية لكُل نهاية، بداية تشفي جراح الفراق المؤقت، فكل راحلٍ بجسده هو حي في قلوبنا وذاكرتنا.
ومضة:
وما الحياة إلا تلك الخفقات التي يخفقها القلب في مَطلع العُمر، فإذا هدأتْ، فقد هدأ كلّ شيء، وانقضى كلّ شيء.
[email protected]



