اللافت في هذه الأحداث هو أداء القيادة الجديدة وقدرتها على التعامل مع المشهد المركّب والمعقد بواقعية سياسية بعيداً عن الشعارات وبحكمة فائقة يتجاوز من خلالها كافة الضغوطات. فالرئيس أحمد الشرع لم يقدّم نفسه كزعيم منتصر بل كمسؤول يدرك أن إعادة توحيد البلاد تتطلب قرارات صعبة، وتنازلات موجعة أحياناً، وتفاهمات قد لا تكون مرضية على المستوى الشخصي أو الشعبي، لكنها ضرورية لصناعة الاستقرار. هذا النهج، وإن بدا للبعض تنازلياً، إلا أنه يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة، حيث الأولوية ليست لتصفية الحسابات بل لإنقاذ الدولة.
هذا الرئيس يدرك أهمية اللحظة الحالية كسياق تاريخي لا يتكرر كثيراً، فالدعم الدولي والإقليمي، ولا سيما من دول الخليج، يمنح سوريا نافذة زمنية ثمينة لإعادة ترتيب بيتها الداخلي والانطلاق نحو مرحلة الاستقرار ثم التعافي وصولاً الى النمو. غير أن هذه الفرصة تبقى مشروطة بقدرة السوريين أنفسهم على التقاطها، وتحويلها إلى مشروع وطني جامع، لا إلى مكاسب مؤقتة لفئة دون أخرى.
أمام السوريين «الذين دعموا الثورة» تحد كبير جداً في تجاوز الإرث الذي خلفه بشار الأسد ووالده مع حكوماتهم الأمنية المتتالية وكذلك إفرازات التدخلات الروسية والإيرانية وحزب الله، وهذا التجاوز يتطلب قدراً كبيراً من التسامح الممزوج بغصة في الحلق والمضي قدماً في سبيل صناعة دولة متطورة آمنة أساسها الوحدة لأن الاستمرار في الثأر سيطيل أمد النزاع ولا بد من تنازلات استثنائية من أجل الأجيال القادمة.
كما أنه أمام السوريين «المناهضين للثورة» فرصة تاريخية بوجود سياسي محنك يتمتع بصبر لامثيل له وقائد يريد جمع الصف بأي ثمن وتوحيد البلاد وضمان حقوق كافة المكونات والأقليات في وسط تعقيدات أمنية وسياسية وتدخلات خارجية لزعزعة الاستقرار. ومن المهم أن يفهم هولاء أن الدعم الخارجي ليس أبدياً، فالتاريخ يشهد أن الأدوات المؤقتة تُرمى في النهاية حين تتغير المصالح والاتفاقيات.
وبالتالي، فالقناعة التامة بقبول أحمد الشرع كأداة لجمع السوريين تحت مظلة واحدة، رغم أي تحفظات لديهم، هي خطوة نحو سوريا أكثر استقراراً وازدهاراً.
[email protected]



