لقد منحتنا جائحة كورونا درساً لا يقدّر بثمن في بساطة العيش، عندما توقف ضجيج العالم، واكتشف الإنسان أن سعادة العائلة الصغيرة حول مائدة متواضعة أثمن من ألف احتفال صاخب، وأن الدعاء بصحة الأحبة أصدق من آلاف الدعوات في صالات فخمة.
لكن تلك الدروس أضحت طي النسيان سريعاً، فما إن انقشع الخطر حتى انفجرت موجة أشد من التفاخر، وكأن الناس يريدون تعويض الصمت القديم بضجيج يفقد المعنى.
فاليوم لم تعد المناسبات الاجتماعية فرحاً بقدر ما تحوّلت إلى سباق على لفت الأنظار؛ حتى الأعراس، رمز البهجة والوصال، غدت مشاريع إنتاج ضخمة تقاس قيمتها بعدد المؤثرين الحاضرين وعدد المشاهدات على وسائل التواصل الاجتماعي.
والمفارقة أن كثيراً من هذه المظاهر تموّل بالديون، فتثقل الأسر سعياً وراء مظهر زائف، بينما يختفي جوهر الفرح الحقيقي والمحبة وصلة الرحم والدعاء الصادق.
كورونا كانت امتحاناً أخلاقياً قبل أن تكون أزمة صحية؛ أظهرت أن الحياة لا تحتاج إلى بهرجة كي تكون جميلة، وأن أبسط الاحتفالات تلك التي تبقى في القلب لا في الكاميرا. لكنها كانت أيضاً اختباراً فشل فيه كثيرون حين عادوا إلى المظاهر وكأنهم يهربون من مواجهة الدرس.
خلاصة القول: ما نحتاجه اليوم ليس تقشفاً، بل وعياً بأن نحتفل دون تبذير، نفرح دون استعراض، نُكرم دون إسراف، ونُعبّر عن الحب دون أن نحوله إلى عرض جماهيري. فالهياط لا يزيد الفرح، بل يُفرغه من معناه، والدرس الحقيقي من كورونا ليس الخوف من العدوى، بل التذكّر أن الحياة أقصر من أن تُهدَر لإرضاء بصمات الآخرين على الشاشات.
[email protected]



