المنصب، مهما علا، يظل مرحلة لا إقامة دائمة، غير أن بعض من يتقلدونه ينسون هذه الحقيقة البسيطة، فيخلطون بين ذواتهم والكرسي، بين أسمائهم وأختام المكاتب، حتى إذا جاء يوم الرحيل، بدا وكأنه اقتلاع لا انتقال.
في مساء هادئ، تلقى مسؤول اتصالًا مقتضبًا: «شكرًا على ما قدمت، القرار صدر» صمت قليلًا، ثم قال: متى؟ اعتبارًا من الغد.
في اليوم التالي، دخل المبنى دون مرافقين. لم يقف الموظفون كما اعتادوا، ولم تتجه الأنظار نحوه. مرّ بينهم كأي شخص عابر. جلس دقائق في مكتبه، حدّق في الجدار الذي كان يحمل صور إنجازاته، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة، شعر بخفة غريبة، كأن عبئًا ثقيلاً أزيح عن كتفيه، ومن ثم قام بجمع أغراضه الشخصية في صندوق كرتوني صغير: إطار صورة قديمة، وكتاب مهترئ، وقلم حبر أزرق لم يعد يعمل. لم يأخذ معه الملفات، ولا القرارات، ولا الخطابات الرنانة. كل ذلك بقي في الأدراج، ينتظر من سيجلس بعده. وحين أغلق الباب، سمع صدى خافتًا، كأن المكان يلفظ اسمه للمرة الأخيرة. وغادر المنصب. خرج إلى الشارع، تنفّس بعمق، واكتشف أن الشمس ما زالت تشرق، وأن الحياة لا تنتظر توقيعه.
كان يعتقد أن المكتب الواسع هو العالم، وأن الكرسي الجلدي هو مركز الكون، لسنوات، كان صوته مسموعًا، وتعليماته نافذة، وابتسامته كافية لفتح الأبواب المغلقة، عندها فقط فهم: بأنه لم يكن المنصب هو الذي أعطاه قيمته، بل ما كان يفعله وهو فيه، هذه ليست قصة فرد بعينه، بل قصة تتكرر كل يوم، بأسماء مختلفة ووجوه متشابهة، المناصب لا ترحل، من يرحلون هم البشر، ويبقى السؤال: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يخلع لقبه؟
تغادر المناصب، وتبقى السمعة، يبقى الأثر الإنساني قبل الإداري، ويبقى السؤال في ذاكرة الناس: كيف كان؟ هل أنصف؟ هل استمع؟ هل تذكّر أن خلف الأرقام بشرًا؟ فالتاريخ لا يحفظ عدد القرارات بقدر ما يحفظ عدالتها، ولا يذكر طول البقاء بقدر ما يذكر جودة العطاء، فمن المفارقة أن بعض المسؤولين لا يبدأون حياتهم الحقيقية إلا بعد مغادرة المنصب، هناك، خارج البروتوكول، يكتشفون أنفسهم بلا حواجز، بلا ألقاب، بلا خوف من الخطأ، وآخرون، على العكس، يغادرون ويبقى المنصب في عقولهم، يلاحقهم في أحاديثهم، ويظهر في كل جملة تبدأ بـ «عندما كنت»، المنصب اختبار أخلاقي قبل أن يكون تشريفًا إداريًا، اختبار في التواضع، وفي إدارة القوة، وفي إدراك أن السلطة عابرة، ومن ينجح في الاختبار، يغادر مرفوع الرأس، خفيف الظل، مطمئنًا أن ما قدّمه سيبقى أطول من بقائه.
غير أن المغادرة لا تعني النهاية دائمًا، فبعض المناصب تترك أثرها طويلًا بعد رحيل شاغليها، الأثر لا يُقاس بطول الفترة ولا بعدد القرارات، بل بعمق التحول الذي أحدثه المسؤول في المؤسسة والناس، هناك من يغادر المنصب وتبقى بصمته حاضرة في الأنظمة العادلة التي أسسها، وفي ثقافة العمل التي غرسها، وفي موظفين تعلموا منه كيف يكون الانضباط احترامًا، والقيادة خدمة، والإنجاز مسؤولية، فببقاء الأثر هو الامتحان الحقيقي للمنصب، فالمسؤول الذي بنى صفًا ثانيًا، وفتح مساحات للثقة، وربط السلطة بالقيم، يغادر مطمئنًا أن العمل لن يتعثر بعده، وأن اسمه سيُذكر دون حاجة إلى استدعائه، أما من اختزل المنصب في شخصه، فإن أثره يرحل معه، وربما كان أول ما يُمحى فور خلو الكرسي.
فالأثر الباقي يشبه الظل، لا يُرى مباشرة، لكنه حاضر في التفاصيل، في إجراء صار أكثر عدلًا، في بيئة عمل أكثر إنسانية، في قرار يُتخذ اليوم بروحٍ زرعت بالأمس، وهنا يتجلى الفارق بين من شغل المنصب ومن صنع بالمنصب معنى.
وفي النهاية، لا أحد يُحاسَب لأنه غادر المنصب، فالمغادرة سنة الحياة، إنما يُسأل الإنسان عمّا تركه وراءه، هل ترك نظامًا أفضل؟ فريقًا أقوى؟ أملًا حيًا؟ أم ترك فراغًا سُرعان ما يُملأ وينسى؟ هكذا، ببساطة وهدوء، وغادر المنصب.. وبقي الإنسان، إن أحسن الاختيار، حاضرًا في الذاكرة، لا في العنوان الوظيفي.
[email protected]



