لكن ما لم نكن نراه، أننا ونحن نخطط، كنا نحسن الإغلاق! لم تُغلق الأبواب فجأة، بل بهدوء شديد، قرار بعد قرار، التزام بعد التزام، تنازل يبدو صغيراً لكنه متكرر! حتى صار النمط الذي اخترناه قفصاً أنيقاً، لا يُشبه السجون ابداً، لكنه يؤدي الوظيفة نفسها! يمنع من الحركة دون أن تشعر أنك مُقيّد! الأكيد بأننا لسنا ضائعين، لأن الضياع حالة عامة، الضياع احتمال، ومساحة، وسؤال؛ أما الحصار، فهو يقين خانق، ومعرفة لمكانك بالضبط، وبذات الوقت لا تعرف كيف خرجت من نفسك إلى هذا المكان.
نُسميه استقراراً! لأن الكلمة مريحة! نُسميه نضجاً، لأن المجتمع يحب هذا الوصف! نُسميه حياة مرتبة! لأن الفوضى تُخيفنا، لكن الحقيقة الأكثر قسوة، أحياناً لا نختار الحياة، بل نختار نسخة مُخففة منها، نسخة آمنة، خالية من المخاطرة، وخالية من الدهشة!
نعيش وفق نمط واحد، نكرر الأيام ذاتها، نؤدي الأدوار ذاتها، ونقنع أنفسنا أن هذا هو النضج، بينما هو في جوهره خوف حقيقي، نخشى أن نكسر الصورة التي رسمناها لأنفسنا، نخشى أن نعترف أننا تغيّرنا، أو أننا لم نعد نحتمل هذا الشكل من العيش.
الحصار الحقيقي ليس في الظروف، بل في القرارات التي لم نراجعها! في الأفكار التي تبنيناها ثم قدسناها، في القواعد التي وضعناها لحمايتنا، ثم نسينا أنها قابلة للتعديل! الحياة الحقيقية لا تُعاش داخل أنماط مغلقة، بل تُعاش في التردد، في التجربة، في الخروج المؤلم أحياناً عن المسار المخطط له، تُعاش عندما نسمح لأنفسنا أن نُعيد السؤال: هل ما أعيشه هو ما أريده الآن؟ أم ما قررته سابقاً ولم أجرؤ على مراجعته؟
نحن لسنا ضائعين! لكن ربما آن الأوان أن نفتح الباب، ونخاطر بالضياع قليلًا، لنتأكد أننا ما زلنا على قيد الحياة.


