لم يعد الإعلام الإلكتروني مجرّد وسيلة نقلٍ للخبر ولا نافذةً عابرةً على العالم بل تحوّل إلى قوّةٍ تُشكّل الوعي وتُعيد ترتيب القيم وتُعيد تعريف الحقيقة ذاتها هو منصّةٌ رحبة لمن أراد أن يقول ومُغصّةٌ موجعة لمن لم يُحسن القول أو لم يحتمل أثره.
في الماضي كان للكلمة وزنها تمرّ على بوّابات التحرير وتُصقل قبل أن تُطلق أمّا اليوم فقد صار النشر فعلًا لحظيًا والكلمة رصاصةً طائشة تُطلق من إصبع وقد تُصيب عقلًا أو سمعةً أو وطنًا أو نفسًا ضعيفة لم تعد المشكلة في وفرة المنصّات بل في غياب المعايير الداخليّة التي تضبط صاحبها قبل أن تضبطه الأنظمة.
الإعلام الإلكتروني منح الإنسان صوتًا لم يكن يحلم به لكنه لم يمنحه بالضرورة حكمة استخدامه فتح له الأبواب ولم يُعلّمه كيف يدخل جعله حاضرًا في كل ساحة دون أن يزوّده ببوصلةٍ أخلاقيّة تُحدّد له متى يتكلّم وكيف ولماذا ولأجل من فصار كثيرون يتكلّمون قبل أن يفكّروا وينشرون قبل أن يسألوا أنفسهم عن الأثر والنتيجة.
وهنا تتجلّى المفارقة فهو منصّةٌ عظيمة للتأثير الإيجابي ومُغصّةٌ قاتلة حين يتحوّل إلى أداة عبث أو تصفية حساب أو صناعة وهم أو إشعال فتن به تُبنى المبادرات وتُطلق الأفكار وتُحيى القضايا العادلة وبه أيضًا تُشوَّه السمعة وتُحرّض العقول وتُختصر الحقيقة في مقطع مبتور أو عنوان مُضلِّل. لقد ألغى هذا الفضاء الجديد المسافة بين الفكرة والعامّة وبين الرأي والجمهور وبين الخطأ وانتشاره فصار الانفعال أسرع من التحقّق وصار الانطباع أقوى من الحقيقة وأصبح كثيرون أسرى لما يظهر على الشاشة لا لما يستقر في العقل وهذا أخطر ما في المشهد أن تتحوّل الجماهير إلى ردود فعل وأن يتحوّل الرأي العام إلى موجةٍ تُقاد لا بوصلةَ تهتدي. الخطر ليس في التقنيّة بل في الإنسان حين يتقدّم سلوكه على وعيه فالإعلام الإلكتروني لا يفرض عليك أن تكون حكيمًا أو طائشًا لكنه يكشفك كما أنت يُعرّي نضجك أو هشاشتك اتّزانك أو اندفاعك عمقك أو سطحيّتك هو مرآةٌ داخليّة قبل أن يكون شاشةً خارجيّة.
نحن أمام واقعٍ جديد كلُّ فردٍ فيه مشروع وسيلة إعلام وكلُّ حساب نافذة على فكر صاحبه وكلُّ مشاركة توقيعٌ أخلاقيّ لا يُمحى والسؤال الحقيقي لم يعد ماذا تقول بل من أنت حين تقول وما الذي تمثّله حين تضغط زرّ النشر.
الإعلام الإلكتروني ليس شرًّا يُدان ولا نعمةً تُقدَّس بل أداةٌ سياديّة في يد الوعي من امتلكها بعقلٍ راشد جعلها منصّة بناء ومن حملها بنفسٍ مضطربة جعلها مُغصّة هدم الفرق ليس في التطبيق بل في الإنسان الذي يقف خلفه.
فإمّا أن نرتقي بالكلمة إلى مستوى المسؤوليّة أو نتركها تنحدر بنا إلى هاوية العبث وفوضى الأصوات المتزاحمة وإمّا أن نصنع من المنصّات جسورًا للمعنى أو نتركها تتحوّل إلى متاهات للفراغ ففي زمنٍ صار فيه الجميع قادرًا على النشر لم تعد البطولة في أن تُسمَع بل في أن تستحقّ أن تُسمَع.


