ومضت سنوات من الحرمان، وابتعاد قسري عن لقاء من نحب من الأطعمة، وما صاحب ذلك من أسى وأذى نفسي سببه هذا العقاب الذي يُسمّى زورًا «ريجيم» أو «حمية». إلى أن بدأت، أكتشف أن بعض الأسماء اللامعة في تلك القائمة السوداء قد صدر بحقها عفو صحي، وخرجت مرفوعة الرأس، بل إن بعضها ترقّى إلى «القائمة الذهبية»، وعلى رأسها البيض، الذي بات اليوم يُشاد به كمصدر لرفع الكوليسترول النافع!
وبينما كنت أتابع في وسائل الإعلام الأمريكية تطورات القبض على رئيس فنزويلا مادورو، شدّني مقال في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان: «لماذا نثق في العلوم؟». استشهد المقال بتصريحات روبرت ف. كينيدي الابن، وزير الصحة والخدمات الإنسانية، الذي دافع في أغسطس الماضي عن قراره بوقف تطوير لقاح «MRNA» القائم على الحمض النووي - الذي بلغت استثماراته مئات الملايين من الدولارات - رغم اعتراضات علماء اللقاحات، مبررًا ذلك بأن «العلم دائم التطور»، وأن الخبراء ليسوا دائمًا على صواب. واستشهد أيضاً ببدايات جائحة كورونا «كوفيد- 19»، عندما أوصت الصحة العامة بعدم ارتداء الكمامات في الأماكن العامة، ثم عادت لاحقًا لتؤكد ضرورتها، رأى المشككون في هذا التغير دليلًا على أن العلم نفسه غير جدير بالثقة.
وبالمنطق ذاته، لا يمكن تجاهل كيف أعاد أينشتاين صياغة فهمنا للجاذبية، حين تجاوز قوانين نيوتن، موضحًا أن الأجسام لا «تسقط» بفعل قوة خفية فحسب، بل تتحرك نتيجة انحناء الزمكان نفسه «الأبعاد المكانية مع البعد الزماني»، وهو ما قلب المفاهيم السائدة رأسًا على عقب، وفتح آفاقًا جديدة لفهم الكون.
الأكيد أن العلوم ونظرياتها، في شتى المجالات، ستبقى في حالة تغير دائم؛ لأن التغير والتطور هما جوهر الحضارة الإنسانية، ولعل حياة آبائنا وأجدادنا تحمل في طياتها درسًا بالغ الدلالة؛ فلم يعرفوا الحميات الغذائية، وكانوا يتناولون السمن والعسل والخبز واللحوم بلا عدٍّ للسعرات، لكنهم في المقابل عاشوا في حركة دائمة، وسعي مستمر لطلب الرزق، فكانت صحتهم - في كثير من الأحيان - أفضل من صحة أجيال لاحقة أثقلها الخمول.
[email protected]



