واذا دققت في المشهد ستكتشف أن الهدوء ليس تربية بل شاحن.
وليس سكينة بل شاشة. وليس حسن خلق بل «زر كتم».
الطفل يبكي. الأم تتوتر. الأب يرفع حاجبه.
ثم تأتي العبارة الذهبية التي تحولت إلى وصفة جاهزة لكل بكاء.
اعطوه الآيباد. وفجأة ينتهي البكاء. يستقيم الكون. يعم الهدوء.
وتجلس الأسرة مرتاحة وكأنها انتصرت في معركة تربوية عظيمة.
بينما الحقيقة إنهم فقط ضغطوا زر الصمت.
وربحوا لحظات راحة.
وخسروا سنوات من النمو.
مصاصة رقمية بطعم الراحة..
صار الآيباد مثل مصاصة رقمية تمتص الدموع والضجيج والملل وحتى الاسئلة.
بل أن الأم نفسها تغيرت حقيبتها مع الزمن.
كانت تحمل مناديل وحليب أطفال ومصاصة وعلبة بسكويت للطوارئ.
واليوم صارت تحمل آيباد للطوارئ.
آيباد في الشنطة أينما ذهبت. آيباد في السيارة لتهدئة الطريق.
آيباد في السفر كي تمر الساعات بلا صوت. آيباد في كل زيارة وكل انتظار وكل مكان.
كأنه وثيقة رسمية لا يكتمل خروج الأم من البيت دونها.
لا لأنه ضرورة للحياة، بل لأنه ضرورة لإسكات الطفل.
وهنا تصبح السخرية موجعة، نحن لا نهدئ الطفل.
نطفئه، نجعل الصغير يجلس على الكنب كتمثال رقمي.
هادئ نعم، لكن هدوءه، ليس راحة، بل انسحاب. نحتفل بأن الطفل سكت.
ولا نسأل إن كان قد تعلم شيئا غير الصمت.
العالم قال قف، ونحن نضغط موافق..
العالم نفسه بدأ يضع حدودا بعدما تضخمت الأضرار.
أستراليا اتخذت قرارا واضحا بمنع من هم دون سن ست عشرة سنة من استخدام منصات التواصل الاجتماعي.
قرار مختصر لكنه ثقيل المعنى.
يقول إن الطفولة ليست ساحة تجارب.
وأن التقنية تحتاج ضابطا قبل أن تتحول الى مربية بديلة.
رسالة للأبوين قبل المدرسة.
قبل الحروف والواجبات والجداول.
علموا الطفل كيف يتكلم.
لا تجعلوا الشاشة هي المربية الأولى.
ولا تجعلوا الآيباد الحل الأسهل لكل موقف.
إذا بكى الطفل لا تقفزوا مباشرة إلى زر الكتم.
دعوه يبكي قليلا.
اهدئوه بصوتكم لا بشاشتكم.
اجلسوا معه.
اسمعوه.
قولوا له أنا هنا.
هذه الدقائق التي نراها متعبة اليوم، هي التي تصنع إنسانا يعرف كيف يواجه العالم غدا.
ختاما..
نحن لا نحارب التقنية.. بل نحارب الضياع والفقد.
وأن يصبح الطفل حاضراً في البيت غائباً عن القلب.



