صار اسم شخص واحد قادرًا على تحريك مجلس كامل؛ تبدأ الأسئلة.. ثم تتحول إلى أحكام.. ثم إلى نقاشات طويلة في تفاصيل لا تخصنا. ونقف متسائلين: كيف فقدت المجالس العربية أجمل ما كان يميزها من ستر وأدب وأخلاق؟
بالمعتاد نجتمع في المجالس لنحتفي بنجاح أحد الحضور، أو لنبارك زواجًا، أو نواسِي في عزاء، ونذكر الناس بأفضل محاسنهم. لكن اليوم.. نجد تغيرًا جذريًا غير معقول. صرنا نجتمع لنجعل الأمسية ومحاور النقاش تدور حول شخص واحد فقط، والخوض في تفاصيل حياته الشخصية، سواء كان من العائلة أو شخصية عامة.
أتساءل كثيرًا: كيف وصلنا إلى هذا الحد؟
لم تتزوج.. لم تُنجب.. لم تدرس.. لم تعمل..
كأن حياة الإنسان أصبحت مرمى لأسهم الأحكام، وكأن لسان الناس مُباح للخوض في خصوصيات الآخرين!
إنه ليس مجرد فضول، بل تدخل يصل إلى أعمق التفاصيل. أيها البشر.. أين احترام الخصوصية؟ وأين مراعاة الظروف التي لا يعلمها إلا الله؟ أين ما تعلمناه عن تحريم الغِيبة والنميمة؟
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره.»
ومع ذلك أصبح الحديث عن حياة الناس الخاصة عادة يومية، بل محورًا رئيسيًا في كثير من المجالس .
وشيئًا فشيئًا، بدأ بعض الناس ينزلقون إلى صفات حذّرنا منها رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-.. صفات النفاق في القول والحديث. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «آيةُ المُنافِقِ ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا وعَدَ أخلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خان»فكيف نقبل على أنفسنا أن نظهر بأجمل صورة في العلن، ثم نتحدّث عن الآخرين في الخفاء؟ وكيف نرفع شعارات الأخوة، بينما نمارس ما يخدش هذه الأخوة في مجالسنا؟
لماذا لا نفتح أبواب النقاش على الأدب، والشعر، والفنون، والأفكار التي ترتقي بنا؟ لماذا لا نشارك ما ينفع بدل أن نجرح من حولنا؟ في مجموعات الواتساب نسارع لمشاركة حديث أو حكمة مفيدة، لكن حين نجتمع وجهًا لوجه... نسمح للساننا أن يخون هذه القيم، ونخوض في ظهر من يشاركنا نفس تلك المجموعات!
فلنراجع أنفسنا قبل أن نفقد أجمل ما يميزنا: نقاء القلوب، وصدق اللسان، واحترام خصوصيات الناس. فأخوك المسلم ليس مادة للحديث، وليس لحمًا يُؤكل غيبةً. هو جدير بأن تحفظ ستره، وتحترم خصوصيته، وتكون له سندًا لا سيفًا.
ولماذا لا نرجع إلى مجالسنا القديمة؟ تلك المجالس التي كانت مليئة بالمرح والبركة. كنا نقيم فيها مسابقات دينية وثقافية تضيف للقلوب بهجة وللعقول معرفة. كنا نطبخ معًا، ونجهز الشاي والقهوة، ونضحك على تفاصيل بسيطة لكنها تصنع ألف ذكرى.
حلوة كانت مشاركة اللحظات الجميلة.. وحلوٌ أن نستعيدها اليوم، لنعيد لمجالسنا روحها: روح المحبة، والستر، والأخلاق، والاحترام، والدفء الإنساني الذي يجمع القلوب بدل أن يفرقها.
[email protected]



