في هذا السياق جاءت مبادرة «صلّحها أو ودّعها» التي أطلقتها الجمعية السعودية للذوق العام بشراكة فاعلة مع أمانة المنطقة الشرقية، لتعيد رسم العلاقة بين المواطن والمكان. المبادرة ليست مجرد حملة ضد المركبات التالفة، بل هي مشروع حضاري يستنهض فينا الشعور بالمسؤولية، ويُذكّرنا بأن المركبة المهملة ليست ملكًا لصاحبها فقط، بل أثرها يمتد إلى الجميع: إلى الطفل الذي يمر بجوارها، إلى الزائر الذي يأخذ عنها انطباعًا، إلى صورة المدينة التي نريدها نظيفة، نابضة، ومرتبة.
اختارت المبادرة شعارًا حاسمًا وذكيًا في الوقت ذاته: «صلّحها أو ودّعها». لا مواربة ولا تأجيل، إما أن تتحمل مسؤولية مركبتك وتعيدها للحياة، أو تُبعدها عن الطريق، لتُفسح المجال للذوق العام أن يتنفس. ولأن المبادرة لا تكتفي بالشعارات، فقدمت حلولًا عملية ومدروسة، من استخدام تطبيقات ذكية لتسهيل الإبلاغ، إلى تفعيل دور المساجد والخطب، إلى مشاركة المؤثرين والقطاعات الخاصة في نشر الرسالة.
لكن الأهم من كل ذلك، أن هذه المبادرة أيقظت في الناس وعيًا نائمًا: أن الجمال ليس ترفًا، بل مسؤولية، الشارع ليس مجرد مكان عبور، بل مرآة تعكس من نحن. فإذا كنا نريد مدنًا جميلة، فعلينا أن نبدأ من التفاصيل الصغيرة، من تصليح مركبة، من إزالة خردة، من احترام حيٍّ نسكنه وأرضٍ نحبها.
إن «صلّحها أو ودّعها»، ليست مبادرة لمحاربة المركبات التالفة فحسب، بل دعوة لأن نكون شركاء في صناعة الذوق العام، لا متفرجين على تشوهه. هي نداء حضاري بأن نرتقي، لا بألسنتنا، بل بأفعالنا. وأن نجعل من المدينة بيتًا كبيرًا نحترم كل ركن فيه، ونحافظ على كل زاوية، لأنها ببساطة.. تعني وجهنا أمام أنفسنا، وأمام العالم.
وختامًا، فإن مبادرة «صلّحها أو ودّعها» ليست مجرد مشروع توعوي عابر، بل نداء حضاري يستنهض فينا قيم المسؤولية والاحترام والذوق. إنها دعوة مفتوحة لكل فرد - مواطنًا كان أو مقيمًا - ليكون شريكًا في الحفاظ على جمال مدينته، ونظافة شارعه، وجودة مرافقه، لا من باب الواجب فقط، بل من باب الانتماء الحقيقي لهذا الوطن. فما نُصلحه اليوم بأيدينا، نُعفي به الأجيال القادمة من مشقة الترميم، ونرسم به ملامح وطنٍ يستحق أن يُحترم في تفاصيله، كما يُحترم في طموحاته.



