كان عالما جغرافيا ورحالا وأديبا ألقى المحاضرات وكتب المقالات ونشر الكتب عن الجزيرة العربية. لم يكن لعبدالله فيلبي آية دور كدبلوماسي إلا أن ظل اسمه يتردد على الأذهان كلما تحدثنا عن تلك الحقبة من التاريخ. فهو من قليل الغربيين ومن نوادر تلك الفترة ممن التصقت أسماؤهم بتاريخ الجزيرة العربية. فلم يكن فيلبي مجرد رحّالة أو موظفا عابرًا، أولا مستشرقا يكتب من خلف المكاتب. بل عاش التجربة كما وصفها، فسار بالصحراء، ونام في الخيام، وتعلّم العربية، وخالط القبائل. دوّن ذلك كلّه بمداد من العلوم لنقرأ عن أحوال ما كان في منطقتنا في البدايات وكانت حياة صعبة لنشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه التي لا تحصى.
وُلد جون فيلبي عام 1885 في سريلانكا لأسرة بريطانية حيث تلقّى تعليمه الأول ثم توجه إلى جامعة كامبريدج، حيث درس اللغات الشرقية والتاريخ، وهو ما شكّل النواة الأولى لاهتمامه بالشرق الإسلامي.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، التحق بالجيش البريطاني وانتدب للأردن ثم العراق. ومن المفارقات بعد مقتل أحد المسؤولين البريطانيين في أحد المعارك بالجزيرة العربية كمراقب، انتدب مكانة جون فيلبي ليمثل همزة الوصل السعودية البريطانية.
كما شكل تحول فيلبي واسلامه وتخليه عن منصبه البريطاني نقطة تحول له، فكان بالإضافة إلى شغفه بالجغرافيا والأدب كان صاحب رأي، يفهم العقل الغربي، ويدرك اللغة والسياسية الدولية ليصبح من خلالها شاهدا على مراحل توحيد الجزيرة ليكتب عنها لتُعد من أهم مصادر تلك الحقبة من التاريخ.
وكان لقاء فلبي بالملك عبدالعزيز -رحمه الله- وطيب ثراه حدثًا مفصليًا في سيرته، فلم يكن لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل بداية وانطلاقة جديده غيرت له حياته. رأى فيها فيلبي في شخصية الملك عبدالعزيز قائدًا يمتلك رؤية واضحة لتوحيد الجزيرة العربية، ويجمع بين الحزم، والبراغماتية، والشرعية الدينية والاجتماعية.
كما يحسب لفيلبي، أنه أول أوروبي يعبر الربع الخالي بالكامل وكان مشروعا علميا قاس فيه المسافات، وسجل الآبار، ورصد التضاريس، ووثق أسماء المواقع كما ينطقها أهلها. أيضا زار فيلبي ووصف في كتبه منطقة نجد، ودون لها أوصافًا وتضاريس دقيقة للمدن والقرى والأسواق. وفي الجنوب، اقترب من تخوم اليمن وعسير، أصدر من خلال هذه الرحلات العديد من الكتب والمقالات توثيقا لرحلاته.
وكان يكتب بلغة مفهومة وليست أكاديمية جافة جعلت من كتبه عن الجزيرة العربية مطلوبة ومقروءة وعلى نطاق واسع في أوروبا وأمريكا.
إرث فيلبي العلمي والتاريخي لا يقتصر على النصوص المكتوبة، بل يشمل أيضًا آلاف الصور الفوتوغرافية والوثائق والملاحظات الميدانية التي تُعد اليوم كنزًا أرشيفيًا نادرًا. وتشكّل مصدرًا أساسيًا لفهم الجزيرة العربية في مرحلة التحوّل من مجتمعات تقليدية متفرقة إلى دولة حديثة.
كما شهدت حياة فيلبي تحوّلًا فكريًا وروحيًا عميقًا خاصة عندما أعلن إسلامه، واتخذ اسم عبدالله. ولم يكن هذا التحوّل حدثًا عابرًا أو شكليًا، بل نتيجة مسار طويل من المعايشة والتأمل. عاش بين المسلمين، وقرأ القرآن، وناقش العلماء، وتأمل في التجربة الإسلامية بوصفها منظومة روحية وأخلاقية.
عبد الله فيلبي، كما في أدبه وما خلف إلينا عن تلك الفترة ترك لنا إرثا علميا عظيما، قدّم فيها شهادة حيّة عن تلك الفترة من الزمن. ولم يكن مجرد شاهد على العصر فقط، بل كان رحالة ومستكشفًا من الطراز الأول.
[email protected]



