فيقولون: لا، نعلم أنه كذّاب، ولكن كذّاب ربيعة أحبّ إلينا من صادق مُضَر.
وهذا من أعجب ما يُروى عن أتباعه؛ إذ أقرّوا بكذبه صراحة، لكن العصبية القبلية حملتهم على نصرته، لا الإيمان به.
وقد ساق ابن كثير هذا الخبر في سياق حديثه عن فتنة مسيلمة وحروب الردة، ليُبيّن كيف أعمى الهوى والتعصب أقوامًا حتى قدّموا القبيلة على الحق.
عانى المسلمون في بداية الإسلام من رواسب الجاهلية القائمة على العصبية القبلية والنَّسب، فجاء الإسلام ليقلب هذا الميزان رأسًا على عقب، ويجعل التقوى وحدها معيار الكرامة والتفاضل.
فهذا أبو لهب في النار، مع أنه عمّ النبي -صلى الله عليه وسلم -وصاحب نسب وشرف في قومه، لأن القرابة لم تنفعه مع الكفر.
بينما بلال بن رباح رضي الله عنه في الجنة، مع أنه في مقاييس الجاهلية عبدٌ يُباع ويُشترى، لأن الإيمان رفعه.
وبذلك أعلن الإسلام عمليًا أن:
لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لحر على عبد، إلا بالتقوى.
لم يكن الصراع في بدايات الإسلام صراع أشخاص، بل صراع قيم:
قيمة الحق في مواجهة النسب،
وقيمة الإيمان في مواجهة العصبية،
وقيمة الإنسان بما يحمل من عقيدة لا بما يرثه من اسم.
التعصب عمى يعمي الإنسان عن قبول الحق، ويحمله على التبعية المقيتة.
الانحراف الجماعي أخطر من الانحراف الفردي؛ لأن الجماعة توفّر غطاءً نفسيًا يخفف وخز الضمير، فيستسهل الإنسان الباطل إذا رآه شائعًا.
القبيلة حين تُقدَّس تصبح صنمًا معنويا يُنافَح عنها ولو على حساب الحق، كما كانت الأصنام تُعبد في الجاهلية.
العدل الحقيقي يبدأ من القدرة على نقد «القريب»، فمن عجز عن إنكار باطل من ينتسب إليه، فلن ينصر حقًّا يخالف هواه.
وأخيرا..
ليس كل من عرف الحق اتّبعه، ولا كل من كذّب الباطل تركه، وإنما النجاة في قلبٍ تحرّر من العصبية، وعقلٍ لا يُؤجَّر للانتماء.
قفلة:
قال أبو البندري غفر الله له:
خبر «مسيلمة» نموذج، تتكرر صورته كلما قُدّم الولاء على القيم، والهوية على الحقيقة.
ولكم تحياتي..
[email protected]



