في حادثة الاسراء والمعراج عندما أسري بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى فلسطين ثم عُرج به للسماء لم يترك الرب -جل جلاله- البشرية لإخبار الصادق المصدوق -صلى الله عليه وآله وسلم- فقط وهو كافٍ وشافٍ ممن أوتي جامع الكلم وعُرف بالصدق والأمانة، بل أثبت الرب -عز وجل- للبشرية هذه الحادثة العظيمة بأدلة مادية قريبة من إدراكهم.
فقد ذكرت كتب السيرة أنه لما رجع نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- من ليلته إلى مكة المكرمة، وأصبح في قومه أخبرهم بما أراه الله سبحانه من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم واستهزائهم به، فمنهم من صفق، ومنهم من وضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً، ومنهم من ارتد، وقد قال المطعم بن عدي: كل أمرك قبل اليوم كان أمماً غير قولك اليوم، أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعداً شهراً ومنحدراً شهراً، تزعم أنك أتيته في ليلة!، ورآها البعض فرصة فبدأوا يمتحنون رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس إذا كان هناك البارحة كما يقول.
وهم يعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يكن رآه من قبل، فجلا الله بيت المقدس للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حتى رآه أمام عينيه، فبدأ يخبرهم عن آياته، يصفه لهم باباً باباً وموضعاً موضعاً، فلم يستطيعوا أن يردوا عليه، بل قالوا: أما النعت فو الله لقد أصاب، وسألوا عن عير لهم قادمة من الشام، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها ووقت قدومها، وعن البعير الذي يقدمها، وكان الأمر كما قال، ومع ذلك أبى الظالمون إلا كفوراَ.
وفي واقعنا اليوم، كم من صاحب فكرة أو مشروع أو مسؤول يفشل لا لضعف فكرته، بل لعجزه عن عرضها، فيحمّل الناس ذنب عدم الفهم، وينسى أن البيان جزء من القيادة، وأن الغموض ليس عمقًا، وأن انتظار الآخرين ليكتشفوا تميزك ليس استراتيجية نجاح.
قدم ما لديك بوضوح، وبعد ذلك ليقتنع من يقتنع وليعرض من يعرض، دون أن تلوم نفسك.
[email protected]



