ما فائدة اتّساع العالم وحذاؤك ضيّق؟ سؤالٌ يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه في عمقه أشبه بمرآة تُجبرك على مواجهة ما تهرب منه كل يوم. فالعالم بكل أفقه المفتوح، وفرصه المتكاثرة، وحراكه الصاخب لا يمنحك الكثير إن كنتَ أنت نفسك محشورًا داخل ضيقك الداخلي؛ ضيقٌ في الوعي، أو في الرؤية، أو في الاستعداد الذهني والنفسي لاستقبال هذا الاتساع. البشر غالبًا ما يظنون أن المشكلة في الخارج: في الفرص، في الظروف، في الناس، في المؤسسات، في الحياة ذاتها، لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا ووضوحًا أن أهم حوار، وأهم مواجهة، وأهم حراك، هو الذي يحدث في الجبهة الداخلية أولًا. هناك، في تلك الزاوية الخفية من الذات، حيث تنشأ البدايات الحقيقية، وتُعاد صياغة الاتجاهات، وتُبنى عضلات التحمل والمرونة.
وهذا ما يجعل المواجهة الداخلية أخطر من كل حوار خارجي. فالعالم لا يتغيّر قبل أن تتغير الذات، والفرص لا تُرى قبل أن تتسع الرؤية، والطريق لا يصبح مُمكنًا قبل أن يتسع الحذاء أو تُستبدل خطوات الرجل نفسها. الفلسفة هنا ليست تأمّلًا تجريديًا بل قاعدة عملية: إن أردت أن تستفيد من اتساع العالَم، عليك أولًا أن تُحرّر قدمك من قيودها. أن تواجه نفسك بلا تجميل، بلا تبرير، بلا خوف؛ لأن كل تغيير خارجي هو انعكاس مُتأخر لثورة داخلية سبقتْه.
إن الجبهة الداخلية تلك التي لا يراها أحد هي التي تحدد شكل المعارك التي نخوضها في الخارج. وإذا كنتَ تريد أن تمشي في هذا العالم بخفة، بثقة، وبقدرة على الالتقاط لا على الهروب، فعليك أن تبدأ من هناك: من مراجعة ما يضيّق عليك، من إعادة ضبط المقاسات، من التخلص من الضجيج الذي يمنعك من السماع العميق لصوتك الداخلي. عندها فقط يصبح اتساع العالم فرصة لا عبئًا، وميدانًا للدهشة لا ساحة للتيه. عندها لا يعود السؤال: ما فائدة اتّساع العالم وحذاؤك ضيّق؟ بل يتحول إلى إعلان: اتّسع العالَم.. لأنك اتّسعت أولًا.
العالم بكل أفقه المفتوح، وفرصه المتكاثرة، وحراكه الصاخب لا يمنحك الكثير إن كنتَ أنت نفسك محشورًا داخل ضيقك الداخلي
[email protected]



