في زمن كانت فيه الزواجات ليلة بركة ولمة أهل وفرحة بسيطة.. تحولت اليوم إلى سباق ضغط وأعصاب وبخور خانق وصوت مزعج كأنك داخل مهرجان لا ليلة تهنئة.
المعازيم يختنقون من دخان العود.. السماعات تصرخ في أذن الضيف.. الفرقة تصنع إزعاجا يكسر الرأس.. والزحمة تشبه طابور نجاة في ملاهي قديمة.. وتسأل نفسك هل جئت لأبارك للعريس ام لأختبر قدرة رئتي على البقاء ؟؟
وبين دخان العود والكتمة والازدحام ترى العريس واقفا مثل عمود إنارة.. سلام وبوس وعطس وبخور وكحة.. وهذا مزكم وهذا حرارته مرتفعة وهذا توه راجع من سفر وماسك حلقه.. والعريس يبتسم غصب ويمسح جبينه ويقول في داخله هل هذه ليلة فرح أم ليلة ابتلاء!!
وذوو العروس والعريس واقفون من العصر.. وجوههم تعبة وظهورهم منهكة.. والناس تسأل السؤال الأزلي: ها كيف الزواج..؟
كأن الزواج اختبار فيزياء.. لا يعجبهم الزواج الهادئ ولا البسيط ولا العائلي.. يبونه استعراض وهياط وضجيج.. والعبرة ضاعت وسط التباهي.
وتبدأ مرحلة الزعل.. نسيت تعزم فلان، فزعل علان.. واحد يرسل رسالة كأنها بيان حرب.. والثاني يقول احنا أولى بالحضور.. والثالث يتوعدك بالقطيعة.. مع أنك ما تعرف أصلا وين وقفوا المعازيم من كثرتهم.
وهنا يأتي السؤال الاكبر.. ماذا يستفيد العريس من كل هذا.. وماذا يبقى بعد ثلاث ساعات .. صالة تكلف عشرات الآلاف.. ديكور ينتهي آخر الليل.. عشاء يكفي مدينة كاملة.. وبخور يكتم خمسين ضيفا في لحظة.. وتسأل نفسك لو أن هذه المصاريف استثمرت في شقة للعريس أو أرض يبني عليها أو هدية تسند حياته الجديدة.. والمأساة الكبر أن حفل الرجال ليس النهاية.. فهناك زواج آخر للنساء.. وقد يكون أوسع وأشد ازدحاما وأكثر تكلفة ومعاناة.. تعب مضاعف وهياط مضاعف وديون مضاعفة.. والشاب بين نارين.. طلبات مكلفة وذهب وملكة وهدايا وصالة جديدة وتكاليف فوق طاقته.. وهو ما زال في مقتبل العمر يحاول يبني نفسه ويبدأ حياته وهو مثقل بالفواتير. وفي النهاية تسدد الفواتير للصالة وملحقاتها.. وتبقى الديون أكثر من الصور.. ويبقى الهم أكبر من البهجة.
ختاما..
ارحموا الشباب من طلبات فوق طاقتهم.. خففوا عنهم.. أفراحهم ليست ساحة معركة ولا اختبار تحمل..فلنعد إلى الفرح البسيط.. الزواج العائلي.. اللمة الدافئة.. الفرحة الحقيقية التي تبنى على المودة لا على الديون.
[email protected]



