ولكن ما يحصل اليوم على بعض البرامج المتلفزة أو منصات التواصل الاجتماعي هو من العجائب. حيث يخرج شخص ينتقد في التاريخ يُمنة ويُسرة بغير علم، وليس هو من تخصصه ولا فنه. المشكلة ليست في الانتقاد فهو حق مشروع، ولكن لا بد أن يكون على أسس علمية وبحثية، والذي يأخذ من المتخصصين سنوات من الدراسة العلمية الرصينة المحكمة، وأقول لمثل هؤلاء الذين يخرجون على الشاشات من أجل زيادة المشاهدات أو من أجل الشهرة أكمل ما بدأت، وأخرج لنا رسالة ماجستير محكمة أو رسالة دكتوراة معترف بها حتى لا يضيع جهدك البحثي هباء منثورا.
وأؤكد مجددا أن النقد والشك في المعلومات التي نسمع ونرى، هو مبدأ أساسي في دراسة العلوم النظرية والتطبيقية، ولكن على أسس متينة، من العلم والدراسة. وكم من عالم قد يكون أخطأ في مسألة معينة، ولكن الرد يكون بعلم وأدب، وعن دراية، وليس عن هوى وزيغ وتتبع الزلات، من أجل أن يقال: أنك عالم أو ذكي أو عبقري فذ؟! فما هكذا ترود الإبل.
والذي يشاهد بعض هؤلاء وهو يتحدث بحماس يعتقد أن هذه المسائل تؤخذ بالصوت والكلام والصورة! وكثرة المتابعين والمشاهدات، ولكن المسألة أعمق من ذلك بكثير. بل أذكر حين قرأت في سيرة نيوتن، كان في زمنه من يدعي أنه عرف بعضا من الفرضيات قبله، وكان نيوتن يطالبهم بالبراهين والأدلة والحسابات، وليس مجرد كلام وتوقعات وتخرصات، فالكل يستطيع الكلام لمجرد الكلام، ولكن العلم الحق هو في الجهد والإثبات، والعمل المتقن الشاق.
والعتب يقع على من يصدق الأقاويل والكلام على عواهنه وبدون أدلة. والعتب كذلك يقع على الذي يستضيف مثل هؤلاء ولا يستضيف من هم أهل التخصص ليردوا عليهم بالمنهج العلمي، حتى يذهب الزبد جفاء، ويبقى ما ينفع الناس.
ونقطة أخرى لعلي أذكري بها نفسي أولا، ثم القارئ الكريم. فقد روي أنه حين جاء بعض تلاميذ الإمام مالك يخبرونه أن أشخاصا قد ألفوا كُتبا بأسماء مشابهة لاسم كتاب «الموطأ» فقال لهم الإمام كلمة عظيمة تكتب بماء الروديوم «معدن أغلى من الذهب» وهي: ما كتب لله سيبقى! وها نحن اليوم بعد أكثر من ألف سنة إذا قلنا كلمة «الموطأ» يعني كتاب الإمام مالك، وقد نُسيت باقي الكتب، وخمد ذكرها. فالانتقاد والتأليف من أجل الهوى والنفس لا أظنه يبقى طويلا في رفوف التاريخ.
[email protected]



