إن أقبلت فهي للقلب كرذاذ المطر عندما تحتضنه بتلات الزهور، وهي بلسم للجروح، تجبر الخواطر وتعزز العفو والتسامح ...تذهب وحر الصدور وتحد من الشحناء والشرور وتنعش الأفئدة بدفء المشاعر كما تنعش النسمات شذا الخزامى في الجو الماطر.
الهديّة وما أدراك ما لهدية؟!
قال صلى الله عليه وسلم: " تهادوا تحابوا "
إنّ الهديّة مفتاح للمحبة لها ثمار عديدة في تعزيز الود وتحسين العلاقات، والأصل في الهديّة أنها مستحبة تقبل وتهدى للمسلمين وغير المسلمين إذا كان القصد تأليف قلوبهم للدخول في الإسلام ودفع شرورهم، قال تعالى: في سورة الممتحنة: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾؛
فالهدايا التي حث عليها الرسول صلى الله عليها وسلم أو التي نصت عليها بعض الأنظمة مثل قواعد تنظيم قبول الهدايا في ( البروتوكول الدبلوماسي ) ، أو تلك التي يأذن بها للموظفين كتحفيز من إداراتهم على شكل دروع وغيرها نظرًا لتميزهم في أعمالهم، وغير ذلك من الهدايا هي هدايا مقبولة تعزز الود والاحترام المتبادل.
ولكن الهديّة المحمودة والمستحبة قد تتحول إلى رشوة وكبيرة من كبائر الذنوب إذا أهديت إلى موظف أو مسؤول للتأثير على قراراته وواجباته وأخلاقيات مهنته، وتفضيل من أهداه عن غيره في إنجاز معاملة أو منح طالب درجة لا يستحقها أو الترشيح لوظيفة أو الفوز بمناقصة إحدى المشاريع بغير وجه حق أو غير ذلك من الأمور التي تحق الباطل وتبطل الحق ..فحينها تتحول إلى إعاقة للتنميّة وأداة للجريمة والفساد المالي والإداري، وهذا الفساد من أهم عوامل هدم القيم والأخلاق المهنيّة، وتغذية الظلم وإعاقة تحقيق الرؤى، وإضعاف أداء المؤسسات، وتهديد أمن المجتمع في مجالاته المتعددة لذلك فقد حرّم الإسلام هذا النوع من الهدايا، كما أنّ نظام مكافحة الرشوة جرّم العطية، والهديّة نوع من أنواع العطيّة، أمّا الأدلة الشرعيّة التي حرّمت هدايا الموظفين أو العمًال فهي عديدة ومنها ما جاء في الصحيحين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على الصدقات فعندما عاد الرجل قال: هذا مَالُكُمْ وهذا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي،قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ:" فَهَلّا جَلَسْتَ في بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ، حتّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ ...، واللَّهِ لا يَأْخُذُ أحَدٌ مِنكُم شيئًا بغيرِ حَقِّهِ إلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَومَ القِيَامَةِ " ، وقال صلى الله عليه وسلم " هدايا العمال غلول؛ وما حرّم الشرع ذلك إلا لأنّ الهديّة تخلب القلوب وتستميلها للمحاباة والمجاملة واتباع الهوى .
إنّ خطر هذا النوع من الهدايا على سلوك الموظف كبير لذلك فإنّ جميع ما صدر من وثائق ومدونات للسلوك الوظيفي وأخلاقيات المهنّة، جاء في موادها التحذير من قبول الموظفين للهدايا، وأنّ المخالف لهذه المواد يعرّض نفسه للتأديب، والعقوبة، والجزاء ؛ لذا ينبغي من مديري الإدارات والمسؤولين في المؤسسات العامة والخاصة تكثيف جهود الحسبة والرقابة، والتركيز على المحاسبة والمسائلة المستمرة ، والتأكيد على أهمية التزام الموظفين بمدونات قواعد السلوك الوظيفي وأخلاقيات المهنة التي تحظر قبول الهدايا، واعتبار هذا الالتزام جزءاً أساسياً من المهام والواجبات الوظيفية لضمان النزاهة والمحافظة على القيم و خدمة المصلحة العامة والارتقاء بمستوى الجودة والأداء.
· لنجعل الهديّة كما أرادها الإسلام تنمي الحب وتعزز الفضيلة لا أداة للخيانة ووقودا للرذيلة.



