في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2018 بين ليفربول وريال مدريد، عاش جمهور ليفربول لحظات صادمة حين سقط النجم المصري محمد صلاح، متأثرًا بإصابة قوية في الكتف بعد احتكاك مع سيرجيو راموس. ومع خروجه المبكر عند الدقيقة 26، تلاشت آمال جماهير ليفربول التي كانت تحلم باللقب، قبل أن يحسمه الفريق الإسباني بثلاثية مقابل هدف. لكن ما تلا المباراة كان حدثًا استثنائيًا؛ إذ تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى موجة تعاطف عالمية، شارك فيها أكثر من 1.3 مليون مغرّد أنتجوا 1.8 مليون تغريدة في أقل من ثلاث ساعات، دفاعًا عن نجمهم المحبوب وحفاظًا على صورته كنجم عالمي وإنساني استثنائي.
لقد شكّل ذلك المشهد درسًا حيًا في كيف تتحول الجماهير إلى خط الدفاع الأول عن العلامات التجارية، سواء تعلق الأمر بنجم رياضي أو شركة أو مؤسسة. فصلاح لم يكن مجرد لاعب مصاب، بل رمز ألهم الناس بإنجازاته الشخصية ونجاحاته مع ليفربول، وعودته التاريخية بمنتخب بلاده إلى كأس العالم بعد غياب دام 28 عامًا.
تذكرت هذا المشهد وأنا أتابع تصريحات صلاح قبل أيام بعد استبعاده للمباراة الثالثة على التوالي، حين قال لوسائل الإعلام إنه يشعر بالإحباط، كما لو أن النادي رماه تحت حافلة الباص، لا أصدق أعتقد أنها المرة الأولى في مسيرتي. ولا أعرف السبب".!
قد لا يختلف اثنان من جماهير ليفربول وكرة القدم على حجم الارث الذي بناه صلاح منذ انضمامه للنادي الانجليزي في 2017، إذ كسر الأرقام القياسية، وحقق كل البطولات الكبرى، وصار أحد أعظم لاعبي النادي عبر التاريخ، ومع ذلك بدا لي أن صلاح بدأ يهدم شيئاً من صورته الجميلة في أذهان جمهوره وهو يصل إلى هذه المرحلة الفنيه والنفسية ناديه، التي لن تنتهي إلا بخروجه من الفريق أو إقالة مدرب الفريق.
قبل أشهر قليلة من العام الجاري كان صلاح يرفع بطولة الدوري الانجليزي كبطل متوج عن موسم 2024 -2025، ماذا لو اختار أن يغادر وهو في القمة نجماً أولاً للفريق وأحد أساطيره؟
وهنا يمكن الاستفادة من تجارب رياضيين عرفوا كيف يغادرون في اللحظة المناسبة، دون خدش الصورة التي أحبوها الجماهير. وإذا كان خروج زين الدين زيدان مثالًا على الاعتزال في ذروة المجد رغم أحداث طرده في نهائي كان العالم 2006، فإن تجربة تشافي هيرنانديز مع برشلونة تقدّم نموذجًا آخر؛ فقد غادر النادي بعد سنوات من التألق، محتفظًا بمحبة الجماهير واحترام الإدارة، معتمدًا خطابًا هادئًا ورسالة تقدير، ليعود لاحقًا مدربًا بعد أن بقيت صورته الذهنية صافية لا تشوبها شائبة.
ورأيي أن السمعة التي يبنيها الانسان في مسيرته المهنية تشبه رأس المال الثمين، الذي لا يُبنى ويصان فقط بالألقاب والبطولات والتفوق، بل أيضًا بحكمة الاختيارات والقرارات الصعبة. فالنجوم مثل العلامات التجارية: ما يبنيه الجمهور حولك لسنوات، قد تهدمه كلمة أو موقف أو قرار متأخر بالرحيل.



