أهم ما يميز هذه الميزانية ليس قيمة الإنفاق فقط، بل طبيعة توجيهه؛ إذ تُظهر المؤشرات أن الحصة الأكبر تتجه إلى قطاعات منتجة؛ كمحفّز جديد للقطاع الخاص الذي يشكّل اليوم ركيزة أساسية في تحقيق مستهدفات النمو وتنويع الدخل.
القطاع الخاص.. من شريك تقليدي إلى محرّك رئيسي للنمو
المرحلة الحالية تمثل نقطة انعطاف في طبيعة حضور القطاع الخاص داخل الاقتصاد السعودي. فبدلاً من اعتماده على المشاريع الحكومية بوصفها محركًا رئيسيًا للنشاط، أصبح اليوم شريكًا كاملًا في خلق الفرص، وموطنًا للاستثمار، ومسرّعًا لابتكار الحلول.
الإنفاق الحكومي الضخم في ميزانية 2026 سيترجم إلى: زيادة الطلب على الخدمات والمنتجات المحلية؛ فكل ريال يُنفق على مشاريع البنية التحتية، والتقنية، والخدمات اللوجستية، يخلق فرصًا مباشرة وغير مباشرة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة والشركات الوطنية.
كما أن هذا الإنفاق سينعكس بشكل واضح على توسّع في الاستثمارات الخاصة؛ إذ يدفع الإنفاق الحكومي الشركات إلى رفع طاقتها التشغيلية، والانتقال من مرحلة الاستجابة إلى مرحلة المبادرة، بما يعزز سلسلة الإنتاج المحلية، هذا بالإضافة إلى تحسّن تنافسية بيئة الأعمال؛ وذلك بفضل استمرار برامج التحول الرقمي، وتطوير الأنظمة، وتسهيل التمويل، ما يجعل القطاع الخاص أكثر قدرة على قيادة النمو بدلًا من أن يكون تابعًا له.
اقتصاد يتحرك من الأعلى إلى الأسفل.. ومن الأسفل إلى الأعلى
الإنفاق الحكومي الكبير يعدّ موجة دفع -من الأعلى إلى الأسفل- بما يعزز النشاط الاقتصادي فورًا عبر تحريك المشاريع والإنشاءات والإنفاق الرأسمالي.
لكن الأثر الأبرز أيضًا يظهر عندما يتحول هذا الزخم إلى قوة -من الأسفل إلى الأعلى- عبر: ارتفاع توظيف الكفاءات الوطنية في القطاع الخاص، ونمو الشركات الناشئة، وزيادة إيرادات المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوطين سلاسل الإمداد الصناعية والتقنية... هنا يصبح النمو مدفوعًا بمشاركة أوسع داخل الاقتصاد.
المؤشرات الحالية تدل على أن السنوات الأربع القادمة -بإذن الله- ستكون مرحلة تعظيم مساهمة القطاع الخاص، مدعومة بتدفقات استثمارية محلية وأجنبية، وبمشروعات عملاقة خلقت شبكة واسعة من الفرص المرتبطة بها.
ومع استمرار الإنفاق عند مستويات تفوق 1.3 تريليون ريال، يصبح القطاع الخاص أمام فرصة تاريخية للانتقال إلى: شركات أكثر قوة مالية، قطاعات أكثر تنوعًا، قدرة أكبر على التصدير، دور محوري في توظيف الكفاءات الوطنية.. وهذا يعني اقتصادًا أقل حساسية لتقلبات الأسواق العالمية، وأكثر قدرة على خلق قيمة مستدامة.
ميزانية 2026 ليست مجرد رقم كبير في خانة الإنفاق، بل هي رسالة واضحة بأن مسار التحول الاقتصادي مستمر بوتيرة متسارعة، وبأن القطاع الخاص لم يعد عنصرًا مساعدًا فحسب، بل أصبح شريكًا رئيسيًا في صياغة مستقبل الاقتصاد السعودي.
ومع هذا الإنفاق الضخم، والبيئة التنظيمية الداعمة، فإن النمو المتوقع للقطاع الخاص لن يكون نموًا في الحجم فقط، بل في النوعية والتنافسية والقدرة على الابتكار... وهو ما يصنع اقتصادًا أكثر قوة واستدامة لعقود قادمة -بإذن الله-.
[email protected]



