فالكيان المستهدف ليس شركة إنتاج فقط، بل أحد آخر الحصون الضخمة التي تجمع بين السينما التقليدية والشبكات الإخبارية العملاقة «سي إن إن»، إضافة إلى استوديوهات تمتد جذورها إلى 100 عام من التاريخ الهوليوودي.
تُظهر المنافسة بين «نتفليكس» و»كومكاست» و»باراماونت»، أن الخط الفاصل بين شركات الإنتاج التقليدية ومنصات البث قد اختفى تمامًا. فنتفليكس التي بدأت كخدمة بث أصبحت اليوم تطمح للتحكّم في أكبر استوديو أفلام في العالم. وكومكاست، العملاق الكابلي، تريد تعزيز قبضتها عبر دمج استوديوهات السينما مع منصات البث.
هذا يعني ببساطة أن فصل الأدوار التاريخي بين المنتج والموزّع ومنصة العرض يختفي، وأن الصناعة تتجه نحو الدمج الكامل. وبعبارة أخرى، قد نشهد تشكل كيانات ضخمة قادرة على إنتاج المحتوى وإدارته والتحكم في وصوله، من السينما إلى التلفزيون إلى التطبيقات ضمن منظومة واحدة.
لكن ماذا يعني تحول ملكية شبكات إخبارية تقليدية مثل «CNN» و»TNT» لمنصات بث عالمية سيما والقنوات تواجه أصلاً أزمة هوية في عصر الأخبار الفورية والذكاء الاصطناعي، ففيما سيكون لها فرصة للتكيّف والوصول لجمهور أكبر عبر منصات البث، وتقديم محتوى مُعاد
إنتاجه بطرق جديدة، فإنها أيضا ستواجه خطراً على استقلاليتها وموضوعية صحافتها، وهو أثمن ما تملكه.
في جانب سلبي محتمل، فإن دمج شركات بهذا الحجم سيخلق كيانات تنافس شركات التكنولوجيا نفسها. ما يعني مستوى أعلى من الاحتكار، وهيمنة أكبر على المحتوى، وتضاؤل الخيارات أمام المستهلك. وهنا يظهر سؤال جوهري: هل تصبح صناعة الإعلام العالمية تحت سيطرة 4 أو 5 منصات فقط؟
في العالم العربي، لا يظهر لي أن تحولاً مشابهاً قد يبدو قريباً، صحيح أن المنطقة تمتلك اليوم جمهوراً شاباً يفضل المحتوى الرقمي، ومنصات منصات إقليمية قوية، مع تجارب واعدة في التسويق الرياضي، والترفيه، لكن التحدي الأكبر يكمن في أن المؤسسات الإعلامية الناجحة تعتمد الاستثمار الحكومي، مع ندرة النماذج التي تجمع بين الإنتاج والتوزيع والتقنية في كيان واحد، على غرار نتفليكس أو أمازون.
ما يحدث في أمريكا الآن ليس سباق استحواذ ورنر بارذرز فحسب، بل قد يعني إعادة تشكيل جذري لصناعة الإعلام التي تتطور بشكل متسارع، لدرجة تجعل حاجة المؤسسات الإعلامية ملحة لإعادة ابتكار نفسها، حتى لا تجد نفسها خارج اللعبة خلال سنوات قليلة.
[email protected]



