لم تكن مجرد نظرة، بل كانت لحظة ارتباك كوني، كأن الزمان توقف ليمنحني دهشةً لا تشبه إلا القمر حين يقرر أن يذوب بهدوء في بحرٍ من السحر.
عيناها..
لا هما سودوان ولا عسليتان، بل هما لونٌ لا يُسمى.
مزيج من حكاياتٍ لم تُروَ بعد. من وجعٍ قديم وفرحٍ لا يزال يتعلم كيف يُولد. حين تنظر إليك، لا تُحاصرك، بل تُحرّرك، كأنها تمنحك الإذن بأن تكون صادقًا، هشًّا، إنسانًا.
كان القمر يُطلُّ تلك الليلة، خجولًا، كأنه يعلم أن في عينيها من الضوء ما يكفي لإضاءة مدينة نائمة.
رأيت فيهما وجهي كما لم أره من قبل، صافياً، بريئا، وكأن كل المرايا التي عرفتها في حياتي كانت كاذبة حتى تلك اللحظة.
في عينيها وطن لا يُشبه أي حدود على خارطة، ولا يُعرّف بلغاتٍ رسمية. وطن تسكنه الألحان، والقصائد، وصمت الذين يحبّون بصدق. لم أكن أبحث عن معنى، لكنني وجدته في رمشةٍ واحدة. في ارتجافة هدبٍ قالت أكثر مما قالت الشفاه.
وكأنما القمر يذوب في عينيها..
لم يكن ذوبانه ضعفا، بل جمالا خالصا. كأن النور قرر أن يسكن شخصا، فاختارها، واستقر في عينيها، لا ليضيء العالم، بل ليعلّمنا كيف نراه من جديد.
وكأنما سرّ الليل كله تآمر ليضع لمسته هناك، في عينيها، حيث تتكسّر الكلمات وتولد المعاني من جديد. لم تكن مجرد نظرة، بل عهد خفي بأن بعض الجمال لا يُكتب ولا يُفسَّر، بل يُعاش ويُترك في القلب كقصيدةٍ أبدية.
نهاية:
عندنا كتب كثيرة وثقافة أقل. عندنا زيجات كثيرة وطلاقات أكثر.
عندنا وسائد كثيرة ونوم أقل. عندنا مكتبات كثيرة وقراءة أقل.
عندنا نكت كثيرة وضحك أقل.
أدهم شرقاوي من كتابه «حديث الصباح»
[email protected]



