وبعد نشر المقال، وصلتني إضاءة ثرية من دكتوري الفاضل إبراهيم البعيّز، جاءت كتوسّع جميل في زاوية الطرح. فقد لفت نظري إلى أن قصة انتشار التدخين ليست سوى نصف المشهد، وأن النصف الآخر هو قصة خروجه. فكما نجحت أمريكا يومًا في صناعة التدخين اجتماعيًا، فقد نجحت بعد عقود في تفكيك هذه الصناعة وإزاحتها من مكانتها، حتى تراجعت نسبة المدخنين إلى النصف.
هذه النقطة تقود إلى مفهوم مهم في دراسة السلوك البشري فالسلوك لا يتحرك فقط بالحقائق ولا بالتوجيه الأخلاقي، بل بما يمكن تسميته منطق المكانة الاجتماعية للسلوك. هذه الفكرة ليست نظرية جديدة، بل قاعدة ثابتة في علم الاتصال الاجتماعي:
الإنسان لا يمارس السلوك لأنه صحيح أو خاطئ.. بل لأنه مقبول أو مرفوض اجتماعياً.
عندما يمنح السلوك شعورًا بالانتماء أو يعزز صورة الفرد يميل الناس لممارسته، حتى لو كانوا يعرفون أنه ضار. وحين يتراجع قبوله اجتماعيًا، يختفي تدريجيًا قبل أن تختفي الرغبة فيه.
من هذه الزاوية نفهم لماذا لم تنجح كثير من حملات مكافحة التدخين عندما اعتمدت خطاب المخاطر الصحية. فالناس يعرفون مسبقًا أن التدخين مضر، لكن معرفتهم لا تغيّر سلوكهم ما دام المجتمع لا يمنح هذا الرفض صوتًا اجتماعيًا واضحًا. المسألة هنا ليست نقصًا في المعرفة، بل غيابًا في إعادة تشكيل الصورة الاجتماعية للسلوك.
أما الولايات المتحدة فقد نجحت لأنها أعادت رسم إطار التدخين بالكامل. لم تجعل السيجارة خطراً صحياً فحسب، بل جعلتها سلوكًا غير لائق ومتدنّي المكانة. أصبحت مرتبطة بالانعزال، وبالخروج للهوامش، وبابتعاد الناس عنك لا اقترابهم منك. حين تغيّرت مكانة التدخين.. تغيّر المدخّنون.
ولهذا، بات من الصعب اليوم أن تُشعل سيجارة واحدة في نيويورك. ليس لأننا نجهل أضرارها، ولا لأن الوعي الصحي هناك أعلى بدرجة خارقة، بل لأن المجتمع الأمريكي اتفق بشكل غير مباشر على أن هذا السلوك لم يعد جزءًا من صورته العصرية.
إن التعقيب الذي وصلني من الدكتور البعيّز لم يكن إضافة جانبية، بل تأكيدًا على نقطة محورية: أن حملات تغيير السلوك الناجحة ليست تلك التي تخاطب صحة الفرد، بل تلك التي تخاطب صورة المجتمع. أن تجعل السلوك غير المرغوب فيه فاقدًا لمكانته، عديم الأناقة، غير جذاب، ومقترنًا بالانعزال.. لا بالقبول.
وحين يفقد السلوك مكانته، مهما كانت جذوره قوية، فإنه يتراجع من تلقاء نفسه. تمامًا كما دخل التدخين إلى المجتمع الأمريكي عبر رمز خرج منه أيضًا عندما تغيّر ذلك الرمز.
وفي النهاية، فإن دراسة السلوك ليست رحلة بين الصواب والخطأ، بل بين ما يمنحه المجتمع قيمة.. وما يسحب تلك القيمة تمامًا.
[email protected]



