طرحت الشركة أمام بيرنيز سؤالًا بسيطًا في صياغته، لكنه معقد في معناه: كيف نقنع النساء الأمريكيات بأن التدخين ليس عيبًا، بل موضة؟ كيف نجعل نصف المجتمع يشتري منتجًا كان حتى الأمس القريب يُعتبر رمزًا للانحلال؟ لم يكن الحل في الدعاية التقليدية، بل في تغيير المعنى الاجتماعي نفسه.
تأمل بيرنيز القضية بعمق، ولجأ إلى خاله فرويد ليستنير بنظرياته حول اللاوعي، والرغبات الكامنة، والرموز التي تحرك السلوك الإنساني. أدرك سريعًا أن النساء في ذلك العصر كنّ يعشن لحظة تحوّل اجتماعي، وأن فكرة الحرية والاستقلال كانت تتغلغل في الوعي الجمعي بعد حصول النساء على بعض حقوق التصويت والعمل والتعليم. ومن هنا خطرت له الفكرة العبقرية إذا كان المجتمع ينظر إلى السجائر بوصفها حكرًا على الرجال، فلم لا يجعل منها رمزًا للتحرر من القيود الذكورية؟
صاغ بيرنيز الخطة بحنكة حيث اختار مجموعة من الشابات الأنيقات ودفع لهنّ للظهور في موكب عيد الفصح عام 1929 في شوارع نيويورك، ونسّق مع الصحافة لتغطية الحدث مسبقًا. وما إن بدأ الموكب حتى أشعلن السجائر أمام عدسات الكاميرات ورفعنها في الهواء بشجاعة وكأنهن يرفعن شعلة الحرية. في اليوم التالي، تصدّرت صورهن الصفحات الأولى للصحف تحت عنوان مثير: «مشاعل الحرية».
كانت العبارة وحدها كافية لتبدّل الموازين. فقد ربطت وسائل الإعلام بين التدخين وتحرر المرأة، وبين السيجارة والحق في المساواة. انتشرت القصة كالنار في الهشيم، ولم تعد السيجارة مجرد منتج تبغ، بل تحولت إلى رمز للتمرد والجرأة والاستقلال. وخلال أسابيع قليلة، ارتفعت مبيعات السجائر بين النساء بشكل مذهل، وفي غضون سنوات أصبحت مشاهد النساء المدخنات أمرًا مألوفًا في المقاهي والسينما والمجلات الإعلانية.
لم تكن تلك الحملة مجرد نجاح تسويقي، بل كانت انعطافه ثقافية غيّرت صورة المرأة ودورها في الفضاء العام. فقد استطاع بيرنيز أن يستغل حاجة المرأة إلى الاعتراف الاجتماعي، وحوّلها إلى فرصة تجارية. وتحت شعار الحرية والمساواة، جرى ترويج عادة قاتلة غُلّفت بورق لامع من الشعارات البراقة. لقد استخدم الرجل علم النفس في توجيه الرغبات، والإعلام في صناعة الرموز، فكانت النتيجة أن تحوّل فعل ضار بالصحة إلى تعبير عن القوة والأنوثة.
تُدرّس هذه القصة اليوم في كليات الإعلام والتسويق حول العالم باعتبارها مثالًا صارخًا على قوة الإقناع الإعلامي وكيف يمكن أن يُعاد تشكيل المفاهيم المجتمعية بمهارة لغرض تجاري بحت. وهي في الوقت ذاته تطرح سؤالًا لا يزال مطروحًا حتى اليوم: إلى أي مدى يمكن للإعلام أن يعيد تعريف الحرية والاستقلال بما يخدم مصالح السوق؟
لقد أثبتت حملة «مشاعل الحرية» أن الأفكار ليست دائمًا وليدة الوعي، بل يمكن صناعتها وتغليفها ثم تسويقها حتى تتحول إلى قناعة عامة. فما بدأ كمخطط لتوسيع المبيعات، انتهى بتغيير في السلوك الجمعي. وهكذا، لم يكن نجاح تلك الحملة في بيع السجائر فحسب، بل في بيع فكرة كاملة عن الذات والحرية والهوية. فكرة لم تجف حتى اليوم، لأن أثرها لا يزال حاضرًا في الطريقة التي نصنع بها اختياراتنا دون أن ندرك من الذي رسمها لنا أولًا.
[email protected]



