الفقد، مهما اختلف شكله، ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها. هو مرآة تُريك جوهر النِّعَم التي كنت تراها عادية، دفء بيتٍ، أو عافية، أو قلبٍ مطمئن. ومع كل غياب، يتجلّى حضور جديد، حضور للرضا، وللتسليم، ولليقين أن ما كُتب لك لم يكن ليُخطئك.
الفقد يعلّمك أن النعمة ليست في البقاء، بل في الأثر، وأن أجمل ما يتركه الغائبون فينا هو قدرتنا على رؤية الحياة بعيونٍ أكثر صدقًا واتزاناً.
في يومٍ من أيام الخميس السعيدة، كان الضغط في العمل في ذروته، والمهام تتزاحم، والوقت يضيق، والأنفاس تكاد تختنق بين الاجتماعات والتقارير. وفي خضمّ هذا الازدحام، توقّف زميلي أيمن عند مكتبي، وهو يحمل قطعة شوكولاتة اعتاد أن يوزّعها كل خميس على الجميع، وقال بابتسامته المعتادة «خذ دقيقة، تنفّس، ما يريده الله سيتم ولو بعد حين، تفضّل شوكولاتة الخميس السعيد.»
لم تكن الجملة كبيرة، لكنها كانت كالماء على قلبٍ عطِش. لحظتها أدركت أن الطمأنينة قد تأتي على هيئة كلمة، أو إنسانٍ يمرّ في الوقت الصحيح. لم تتغيّر ظروف العمل كثيراً، لكن النظرة تغيّرت، وتحوّل اليوم من ازدحام وضغط إلى مساحة من الرضا والسكينة. تعلّمت أن الرزق لا يكون دائمًا في النتائج، بل في السكينة التي تزرعها التفاصيل الصغيرة وسط الفوضى، تلك التي تُعيد ترتيبك من الداخل دون أن يشعر أحد.
ولعلّ موقف «أيمن» أعاد إلى ذاكرتي مواقف أخرى شبيهة، كموقف زميلي السابق الأخ ناصر، الذي كان يفتتح مواسم الشتاء بإعداد دلة الكرك كل صباح، يوزّعها بابتسامة صادقة وعبارة يرددها بلهجته الجميلة «دفا الكرك مثل دفا النية» وعلى نياتكم ترزقون. كانت تلك اللحظات الصغيرة كفيلة بأن تُبدّد إرهاق الأيام الطويلة. كان ناصر يحوّل صباح المكتب إلى مساحة من الألفة والهدوء، وكأنّ الكرك الذي يُعدّه لم يكن شرابًا فقط، بل رسالة لطيفة تقول إن اللطف هو أثمن أنواع الرزق.
عظائم النِّعَم لا تُقاس بما نملك، بل بما نتعلّمه من الدروس التي تُهذّب أرواحنا. قد يمنحك الله صبرًا يعادل الكون، وسلاماً داخلياً بعد العاصفة، وحكمةً تُعيد ترتيب نظرتك لكل شيء. تلك هي النِّعَم التي لا تُشترى، ولا تُرى، لكنها تُغيّر فيك كل شيء. حين تتعلّم أن ترى في كل فقد عوضاً، وفي كل تأخيرٍ لطفاً، وفي كل لحظة بساطة نعمة، فأنت تسير على طريق الامتنان الحقيقي.
وحين تقول من قلبك، الحمد لله على ما كان، وعلى ما هو كائن، وعلى ما سيكون، فأنت لا تكتفي بالشكر بل تتذوّق عمق النعمة بكل حواسك.
فبعض الرزق لا يأتي مالاً ولا جاهاً، بل يأتي على هيئة شوكولاتة صغيرة.. تُعيد إلى قلبك الطمأنينة والحياة.
[email protected]



