وأذكر في هذا الباب قصة قد تكون رمزية أكثر منها واقعية، ولكنها تؤدي المعنى المراد بوضوح. يُحكى أن واليا كان يملك قصرا يطل على مزرعته، وفي طرف المزرعة يوجد كوخ صغير، يسكن فيه بستاني مع عائلته. وكان الوالي من وقت إلى آخر يخرج ليلا يتنزه في المزرعة، فيسمع أحيانا كثيرة ضحكات وقهقهت تخرج من ذلك الكوخ، تدل على أن هذا البيت يغلب عليه السعادة، فكان الوالي يغبطهم على هذه النعمة، فأخبر وزيره بذلك. فقال له الوزير بدهاء: أنا أستطيع أن أجعل هذا البيت تعيسا، فأنظرني بضعة أيام. فأرسل الوزير من يطرق الباب على ذلك الكوخ، ويضع أمامه صرة، ثم ينصرف خلسة. ففتح البستاني الباب، فوجد الصرة أمامه مليئة بالدراهم، ففرح بذلك كثيرا، ثم دخل وعدد النقود فوجدها تسعة وتسعون «٩٩» دراهما فاستغرب لهذا الأمر! وظل يسأل أهل البيت كلهم عن الدرهم، ومن أخذه؟! فأصبح مغموما ومهموما بسبب الدرهم المفقود، واتهم أهل بيته بسرقته! وبعد أيام، مر الوالي على عادته ليلا على الكوخ، ولكنه لم يعد يسمع الضحكات، بل صراخ وتهديد ووعيد. فلما التقى الوالي بوزيره، سأله عما فعله؟ فأخبره الوزير عن قصة الدرهم المفقود، فتعجب الوالي من الأمر، وعلم الحكمة. فالوالي لديه الكثير من النعم، ولكنه يفكر بما عند أهل الكوخ، ينسى القصر الكبير الذي يسكنه!!
والآن سأنقلكم إلى عالم الحقيقة، إننا حين نشاهد الكثير من الفيديوهات ليلا ونهارا على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد نغبط البعض على ما عندهم من نٍعم وترف ورفاهية ومال، وسعادة مصطنعة! ولكن الواقع، أننا نفكر في الشيء الوحيد المفقود عنا «الدرهم» وننسى الأشياء الكثيرة «٩٩ درهم» الموجودة لدينا.
ودعونا لا ندعي المثالية! فلكنا بلا استثناء في أنفسنا أشياء نريدها «المفقود» ونحاول كل جهدنا الحصول عليها، ولكنها عسيرة المنال! ولم تُكتب لنا لحكمة لا نعلمها، والله سبحانه وتعالى يعلمها. وفي أثناء رحلتنا في البحث عن الدرهم المفقود، قد نندرج تحت قوله سبحانه وتعالى: «وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا» فيكون المنع هو العطاء. وأسمحوا لي أن أُسلي نفسي وإياكم بهذا الحديث النبوي، حيث قال -عليه الصلاة والسلام-: «سألتُ ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة» فإذا كان الله سبحانه وتعالى لم يستجب لرسول عليه الصلاة والسلام في واحدة، لأنه الحكيم العليم، فكيف بمن هم في منزلة دون ذلك بكثير جدا جدا؟! ولذلك قيل: الخيرة فيما اختاره الله سبحانه وتعالى.
والخلاصة، المقولات والحٍكم عديدة ومتنوعة، ولكن العبرة بالفعل لا بالقول، وصدق ربنا سبحانه وتعالى حين قال: «وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ».
[email protected]



