ليس أخطر من سارقٍ يسرقك وأنت مبتسم، وسارقُ الوقت يفعل ذلك ببراعةٍ لاتضاه. لا يمد يده إلى جيبك، بل إلى لحظاتك، يقتطع من عمرك بصمت، حتىتستيقظ ذات يوم، لتكتشف أنك أنفقت شهورًا، على ما لا يُبقي أثرًا، ولا يتركذكرى.
لصوص الوقت ليسوا واحدًا، بل جماعة من اللصوص الخفيّة التي تتسلل عبرضعفنا البشري. فالتسويف يبيعنا الوهم بأن الغد أكثر رحابة من اليوم،والمماطلة تجعل المهام البسيطة جبالًا من الإرهاق، والانشغال الكاذب يملأيومنا بضجيجٍ خادع يخفي خواء الإنتاج الحقيقي. ثم يأتي الإدمان الرقمي،الذي يلتهم الساعات كما يلتهم البحر حبات الرمل؛ من التصفح العشوائي إلىالألعاب والتطبيقات، ومن متابعة العناوين العاجلة إلى الإغراق في تفاصيل لاتُسمن ولا تُغني. بل حتى الثرثرة الطويلة، والاجتماعات التي لا طائل منها،والمجاملات الاجتماعية التي تُثقل الروح، هي لصوص متنكرة في ثيابالمألوف.
وقد تناول الكاتب الأمريكي ستيفن كوفي، هذه الظاهرة في كتابه الشهير«العادات السبع للناس الأكثر فاعلية»، حين قسّم أنشطتنا إلى مهم وغيرمهم، وما هو عاجل وغير عاجل، مؤكدًا أن أغلب الناس يبدّدون أعمارهم فيدائرة “العاجل غير المهم”. أما خبير التنمية البشرية برايان تريسي، فيرى أن“النجاح يبدأ من لحظة هزيمة التسويف”، لأن التأجيل المستمر ليس تأجيلًاللأعمال فحسب، بل تأجيل للحياة ذاتها.
ولا تقف القضية عند حدود الفلسفة أو التحليل، بل تؤكدها الدراسات الحديثة. فقد نشرت جامعة كالغاري الكندية عام 2023 دراسة أشارت إلى أن نحو20% من الناس، يمكن تصنيفهم بأنهم مماطلون مزمنين، وهو ما يؤدي إلىتراجع تحصيلهم الأكاديمي، وإنتاجيتهم العملية وصحتهم النفسية. كما بيّنتقرير صادر عن مجلة هارفارد للأعمال، أن الموظفين يضيعون ما يقارب37% من أوقاتهم في اجتماعات غير منتجة، أي ما يعادل هدر يومين منأيام العمل أسبوعيًا. أما العالم الرقمي فيخفي بين طياته اللص الأكبر؛فبحسب بيانات مؤسسة «ستاتيستا» لعام 2024، فإن متوسط الوقت الذييقضيه الفرد يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي يبلغ 145 دقيقة، أيأكثر من 38 يومًا سنويًا تُبدَّد دون مردود حقيقي.
إن هؤلاء اللصوص لا يسرقون الوقت وحده، بل يسلبون صفاء الذهن وراحةالقلب. فبحسب دراسة أجرتها جامعة ستانفورد، فإن التنقل المستمر بينالمهام، يقلل من التركيز بنسبة تصل إلى 40%، ويضاعف مستويات القلقوالتوتر. وهكذا يتحول الزمن المهدور، إلى طاقة مستنزفة، وحياة تُستهلك علىهامش الإنجاز.
لكن المفارقة، أن استعادة السيطرة على الوقت ليست معركة خاسرة، بل قراريبدأ من لحظة وعي. فالوقت لا يُدار بالصدفة، بل بالإرادة. ويكمن السر فيالانضباط الذاتي، وفي إعادة بناء اليوم على أسسٍ من الوعي والتركيز. فتقسيم الساعات إلى فترات مركزة، وتخصيص أوقات محددة للتواصل،والالتزام بقاعدة «أنجز الآن»، كلها أدوات تمنحك سلطة على يومك قبل أنيسلبك هو سلطتك عليه. وكما قال ديفيد ألين في كتابه «إنجاز المهام: فنالإنتاجية بلا ضغط»: «العقل خُلِق لتوليد الأفكار، لا لتخزينها».
وفي الختام، لا بد من أن نصبح أكثر وفاءً لأوقاتنا كما نحن لأحلامنا، وأننحرس ساعاتنا من المتطفلين الرقميين كما نحرس أموالنا من اللصوص، وأننتعلم قول «لا» أمام ما لا يستحق، وأن نعيد الاعتبار للإنجاز على حسابالانشغال، فالوقت ليس مجرّد عقارب تمضي، بل هو جوهر الحياة وهي تُكتبلحظةً بلحظة. ومن يُحسن صون وقته، فإنه لا يدير يومه فحسب، بل يصنععمرًا يستحق أن يُروى.



