لقد كشفت العقود الأخيرة عن عجز واضح في بعض المجتمعات النامية في الاستعداد الفكري والمؤسسي لمواكبة التحولات العالمية. فبينما بنت الأمم المتقدمة مراكزها البحثية والاستشرافية على رؤية بعيدة المدى، ظلت بعض المجتمعات النامية رهينة ردود الفعل، تكتفي بالمراقبة لا بالمبادرة، وبالشكوى لا بالتخطيط.
ولعل السبب الأبرز لذلك هو ضعف التعليم، إذ أفرغت المناهج من روح التفكير النقدي، وحل مكانها التلقين والتكرار، فنتج عن ذلك جيل يحمل شهادات، لكنه يفتقر إلى أدوات التفكير والتحليل.
هذا الضعف ولد فراغاً فكرياً استغله المتطرفون وبعض أدعياء الثقافة لتجنيد العقول الغضة، مستغلين تعطش الشباب إلى الفهم والانتماء. فالفكر لا يُقاوم بالمنع، بل بالمنهج، ولا يُواجه التطرف إلا بتعليم يعلم الناس كيف يفكرون لا بما يفكرون.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن إنشاء مراكز الاستشراف لم يعد مجرد طموح معرفي، بل واجب حضاري تفرضه تحديات الواقع، بل أصبح ضرورة استراتيجية تمليها تحولات العالم وسرعة تغيره. فالاستشراف ليس ضرباً من التنبؤ، بل علم يُعنى بتحليل المعطيات واستكشاف الاتجاهات قبل وقوعها، ليحمي المجتمعات من العشوائية ويمنحها القدرة على صناعة مستقبلها بدل انتظار ما يفرضه الآخرون.
إن المجتمعات التي لا تملك نظرة لما هو قادم ستظل سجينة الماضي، تركض خلف المتغيرات دون أن تدرك جوهرها.
ومن هنا، فإن مسؤولية المفكرين والمربين والإعلاميين في تلك المجتمعات هي إشعال جذوة الوعي، وردم الفجوة بين الفكر والعمل، حتى يتحول التعليم إلى منارة، لا إلى طقوس شكلية تخلو من المعنى.
حماية الفكر لم تعد شعاراً ثقافياً، بل مشروعاً لحماية الهوية وصناعة المستقبل.
[email protected]


