إنه استنزاف الناس للناس.. ذلك السلوك المتكرّر حين يتحوّل القرب من الآخرين إلى عبء نفسي وعاطفي بل ومادي أحيانًا نتيجة اعتماد طرف على طرف آخر بشكل مفرط، دون وعي أو مراعاة للحدود.
في أبسط صوره يحدث هذا الاستنزاف حين يشعر الإنسان أن عليه أن يكون دائمًا موجودًا للآخرين، حتى على حساب راحته صحته ووقته. قد يكون هذا الآخر صديقًا يتحدث فقط عندما يحتاج أو فردًا من العائلة يرى أن من حقه أن يأخذ دون أن يعطي أو زميلًا في العمل يحمّل غيره مسؤولياته باسم «الزمالة» أو «الظروف».. يتكرر المشهد بصور مختلفة لكن النتيجة واحدة، طرف يُرهق حتى يفقد شغفه وحماسه وثقته في من حوله. ما يجعل هذا النوع من الاستنزاف أكثر تعقيدًا أنه غالبًا ما يُمارس باسم الحب أو الصداقة أو الواجب الاجتماعي.
كثير من الناس لا يدركون أنهم يستنزفون غيرهم فهم يطلبون المساعدة باستمرار يتحدثون فقط عن مشاكلهم أو يلقون بأعبائهم على الآخرين دون أن يسألوا كيف حالهم.
وفي المقابل هناك من يسمحون بهذا الاستنزاف إما بدافع الطيبة أو الخوف من خسارة العلاقة أو بسبب عدم قدرتهم على قول «لا». الاستنزاف بين الناس لا يحدث فجأة بل يبدأ غالبًا بعلاقة ظاهرها التقدير أو الحب أو الصداقة ثم ما تلبث أن تنقلب تدريجيًا إلى عبء ثقيل.
شخصٌ يُحمِّلك أكثر مما تحتمل، يطلب منك دائمًا أن تكون موجودًا أن تصغي أن تحل أن تعطي، بينما هو لا يقدم شيئًا في المقابل سوى مزيد من المطالب والدراما والتلاعب بالمشاعر وربما الأسوأ من كل ذلك أنه يجعلك تشعر بالذنب إن لم تلبِّ توقعاته وكأن وجودك في حياته واجب، لا خيار.
النتيجة الحتمية لهذا النمط من العلاقات هي الإنهاك يشعر الطرف المُستنزَف بأنه عالق في دوامة لا تنتهي يفقد فيها إحساسه بالتوازن ويبدأ في الانسحاب التدريجي من محيطه أو يصبح شخصًا غاضبًا متوترًا فاقدًا للمرونة.
ولأن الاستنزاف غالبًا غير مرئي، لا يُفهم ألمه بسهولة، بل قد يُتهم من يعاني منه بأنه «يتغير» أو «لم يعد كما كان». لكن مواجهة هذا الواقع تبدأ بالوعي فلا يمكن لأي علاقة أن تستمر بصحة ونقاء إذا كانت قائمة على الأخذ دون عطاء أو على الاعتماد من طرف واحد.
العلاقات الصحية تتطلب توازنًا، احترامًا للحدود، وإدراكًا بأن لكل شخص طاقته، وظروفه، وحقه في الراحة. إن قول كلمة «لا» في الوقت المناسب، ووضع حدود واضحة، ليس أنانية، بل حماية للنفس، وضمان لبقاء العلاقات بشكل صحي.
ليس كل من يطلب منك شيئًا مستغِل، لكن التكرار، وغياب التقدير، واختلال التوازن، مؤشرات لا يمكن تجاهلها فعلينا أن نكون رحماء بأنفسنا قبل أن نُطلب الرحمة من الآخرين فكما قيل
قديمًا: «فاقد الشيء لا يعطيه»، ولا أحد يستطيع أن يعطي العالم نورًا وهو مطفأ من الداخل.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة في التعامل، تُعيد تعريف معنى القرب والدعم، وتجعل من الاحترام المتبادل أساسًا للتواصل فلا أحد خُلق ليكون حائطًا لغيره طوال الوقت، ولا أحد يجب أن يُنهك ليشعر الآخر بالراحة.
حين نحترم طاقة من حولنا، ونعطي كما نأخذ، نكون قد خطونا خطوة نحو إنسانية أعمق، وعلاقات أكثر صدقًا وتوازنًا.
[email protected]



