كيف تُجرى التجربة عمليًا؟ يُطلَق شعاع من الإلكترونات، واحدًا تلو الآخر، باتجاه حاجز فيه شقّان صغيران، خلفه شاشة حساسة تسجّل كل تصادم للإلكترون، عندما لا نراقب الإلكترونات، تمر كل واحدة كموجة، تتماوج مع نفسها في صمت، فتترك على الشاشة نمطًا من خطوط مضيئة ومظلمة، أشبه بأمواج الماء التي تتقاطع بلا صوت، لكن بمجرد أن نحاول معرفة مسارها، وكأننا نهمس في أذنها: “أين كنت؟”، يختفي النمط وتتجمّد كائنات صغيرة تمر من شق واحد فقط، مجبرة على اختيار شكل محدد.
المثير للدهشة أن “المراقبة” ليست عينًا بشرية بالضرورة. أي محاولة للمعرفة، أي إشارة أننا نريد أن نفهم، كفيلة بأن تغيّر الواقع. مجرّد حضورنا المعرفي يفرض شكلاً على ما كان حرًا، كأن الجسيم كان يعيش احتمالاته بلا قيود، وكأننا بمجرد توجيه وعينا، ننتزع منه الحرية، ونرسم له مصيره.
هل تتغيّر الأشياء حولنا حين نراها؟ هل يعرف الجماد أننا نظرنا إليه؟ ليس المقصود وعي حقيقي، بل استجابة لطريقة وجودنا نحن، ربما لا يتّخذ شيء شكله الكامل إلا حين نمنحه انتباهنا، وحين نُسجّل حضوره في وعينا.
تأمل عدد من الفلاسفة العلاقة بين الوعي والواقع، (فكانط) يرى أنّ العالم كما نعرفه يتشكّل من خلال تجربتنا الذاتية، وأن إدراكنا هو الذي يمنح الواقع معناه، أما (شوبنهاور) فاعتقد أن العالم ليس سوى “تمثل” في وعينا، وأن ما نراه ليس إلا انعكاسًا لوعينا به، في حين ربط (هيجل) بين الوعي والتاريخ والواقع، معتبرًا أنّ الوجود لا يكتسب حقيقته الملموسة إلا بوجود من يراقبه ويدركه.
تجربة الشق المزدوج لا تشرح سلوك الإلكترون فحسب، بل تلمّح إلى صلة خفية بين من يراقب وما يُراقَب، في العالم الصغير، يكفي أن تراقب ليتغير كل شيء. وفي العالم الكبير... من يدري؟ لعل الشيء ذاته يحدث، ونحن نُسميه مجرد “صدفة”.
[email protected]



