تأمل قليلًا عزيزي القارئ: ما نحن سوى ذاكرة تمشي على قدمين. أسماء، حكايات، أصوات، صور، ضحكات.. جميعها تكمل بعضها حتى تشكل هوية الفرد. فإذا انفرط العقد، لم يتبقَ سوى جسد يتحرك بعادة فقط لا بالروح. عندها يصبح الإنسان غريبًا عن اسمه، عن وجوه أبنائه، عن صور طفولته. أليس هذا الموت في أكثر تجلياته قسوة؟
وبحديثنا عن القسوة، إن قسوة الزهايمر تكمن في كونه موتًا يتجزأ على مهل. هو ليس طعنة واحدة و تنهي القصة، بل نزيف طويل يقطر كل يوم قليلًا من الذاكرة، حتى تخلوا من محتواها. هذا النزيف يذكّرنا بأن العمر ليس بتراكم السنين، بل خزان للذاكرة، فإذا فُرّغ هذا الخزان، لم يعد للحياة طعم سوى الحضور المادي الباهت.
ولعل السؤال الفلسفي الذي يفرض نفسه هنا: هل الإنسان هو جسده أم ذاكرته؟ الزهايمر يجيب بلا رحمة؛ فالجسد قد يبقى قويًّا، والعين قد تظل ترى، والقلب يخفق، لكن غياب الذاكرة يحيل الكائن إلى فراغٍ لا اسم له. إننا لا نفقد الأشخاص حين يغيبون بالموت فقط، بل نفقدهم أحيانًا وهم أحياء، يجاوروننا ولا يعرفوننا.
ومع ذلك، ثمة بُعد آخر لا يقل أهمية. الزهايمر امتحان للحب في أنقى صوره. أن تحب من لا يعرفك، أن تصبر على يد ترتجف لا تعرف يدك، أن تبتسم في وجه سؤال يتكرر للمرة المئة: «من أنت؟» فتجيب بصوت حانٍ كما لو أنها المرة الأولى. هذا الصبر، وهذا الإصرار على الحضور، هو جوهر الإنسانية الحقيقية.
في الشهر العالمي للزهايمر، لست أكتب عن المرض فحسب، بل عنّا نحن، الأصحاء الذين نقف على الضفة المقابلة. هل نملك الشجاعة لنكون ذاكرة لغيرنا حين يخونهم عقلهم؟ هل نملك الصبر لنعيد صياغة الحب بلا مقابل؟ إن هذا الداء يكشف أن الذاكرة ليست ملكًا للفرد وحده، بل شبكة تربطنا بالآخرين. فإذا انقطعت من جانب، فالبقية مدعوون لإعادتها من جديد.
فلنتأمل إذن: حين يجلس مريض الزهايمر في صمته الطويل، هل هو حقًا غائب؟ أم أنه يحيا في عوالم أخرى، لا نملك مفاتيحها؟ ربما يرى وجوهًا رحلت عنا، وربما يستعيد طفولة نسيها الجميع، وربما يبحر في نهر داخلي لا نراه. أليس في هذا بُعد وجودي يذكّرنا بأننا لا نفهم الوعي إلا حين يغيب؟
الزهايمر ليس مجرد تحديً طبي، بل هو سؤالًا فلسفيًا عن ماهية الإنسان حقًا. فإذا كان الكائن بلا ذاكرة لا يعرف نفسه، هل نحن أكثر من حفنة مواقف وصور نخزنها في عقولنا؟
في النهاية، ربما أعظم ما نستطيع فعله هو أن نحضر بجوارهم. أن نكون مرآتهم الأخيرة، وظلّهم الأخير، وصوتهم أيضًا. لأن الحب، في جوهره، هو أن ترى إنسانًا كاملًا حتى حين يتبدد بين يديك.
[email protected]



