لكن، ويا للعجب، كم كانت تلك الكتب الضئيلة عالمًا واسعًا! كنت أعيد قراءتها كل يوم، حتى حفظت نصوصها أكثر مما حفظت دروسي في المدرسة. لم أكن أدرك حينها أنني أمتلك مهارة القراءة السريعة، حتى لفتت نظري إليها معلمتي الغالية، أبلة نجاح من مصر، التي كانت تحمل قلبًا كبيرًا ويدًا حانية. هي التي ساعدتني على رسم الحروف، وعلى أن أنسج عباراتي الأولى، فغرست في داخلي حب اللغة ودهشة الكلمة.
وإلى جانب تلك المكتبة الصغيرة، كنت محظوظة بهدية أخرى لا تُقدّر بثمن؛ إذ كان لإخوتي أصدقاء يدرسون في المملكة الأردنية، وكانوا يجلبون معهم أجمل الهدايا: مجموعات من قصص الأطفال. كانت تلك القصص تبهرني بألوانها الزاهية ورسوماتها البديعة، وكأنها نافذة سرّية إلى عوالم من الخيال لم أكن أعرفها من قبل. كانت كل صفحة أشبه بلوحة فنية تضيء روحي الصغيرة، وكل حكاية تفتح في داخلي بابًا للحلم والسفر دون جناحين. ومعها اكتشفت أن الكتب ليست مجرد أوراق مكتوبة، بل عوالم تنبض بالحياة، تسافر بنا إلى أبعد مما نتخيل.
وحين كبرت قليلًا، حدثتني صديقة كانت تعيش في اليابان، ففتحت أمامي نافذة أخرى للدهشة. حدّثتني كيف يتعلم الأطفال هناك قيمة الكتاب منذ الصغر، وكيف يُمنحون يومًا كاملًا في المدرسة لا لشيء سوى القراءة والتلخيص. تخيّلتهم يجلسون بين صفحات القصص كما لو أنهم يبحرون في محيط من الحكمة، ثم يعودون ليكتبوا بخطوطهم الصغيرة عصارة ما فهموه، فيتعلّمون منذ نعومة أظفارهم أن القراءة ليست مجرد متعة، بل مسؤولية وفنّ، وأن الكلمة يمكن أن تصنع مكانة لصاحبها في هذا العالم.
وهكذا أدركت أن مكتبة المدرسة لا تعد ركنًا هامشيًا نزوره أثناء الفراغ لنلتقط بعض الكتب، بل هي فضاء واسع تتجلّى فيه المعرفة بأبهى صورها. بين رفوفها نصنع عوالمنا الصغيرة، نرتحل في مدن وقرى كونية لا تعرف حدودًا، ونشعل في خيالنا شرارة الإبداع. لكن دورها الحقيقي لا يقتصر على القراءة فقط، بل ينبغي أن تكون مركزًا للأنشطة التربوية والثقافية: ورش عمل للكتابة، مسابقات في القراءة والتلخيص، تدريبات على إعداد البحوث، وتشجيع الطلاب على كتابة النصوص الأدبية. ثم يأتي دور التكريم، حيث يُحتفى بالمتميزين، فيشعر الطالب بقيمة جهده ويزداد شغفًا بالعلم والإبداع.
ومكتبة المدرسة في المستقبل يمكن أن تتحول إلى أكثر من مجرد مكان للكتب؛ فقد تكون ضمن أعمال الريادة أو نموذجًا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تخدم البيئة المحيطة وتدعم أهدافًا ثقافية واسعة. يمكن أن تصبح المكتبة منصة لصناعة الأفكار، ومختبرًا يُنمّي روح البحث والابتكار لدى الطلاب. هناك يتعلّم الطالب كيف يُعد البحوث، ويبتكر تصورات جديدة قد تفتح له أبواب الجامعات والكليات، وكل ذلك يبدأ من حب المعرفة، ومن تلك اللحظة الأولى التي يفتح فيها كتابًا بشغف ويغوص في أعماقه.
إن مكتبة المدرسة، بكل أبعادها من الماضي إلى المستقبل، ليست مجرد رفوف وكتب، بل هي رحلة حياة؛ تصقل شخصية الطالب، وتغذي فكره، وتمنحه القدرة على أن يكون مختلفًا ومتميزًا، عاشقًا للعلم، وحالمًا بمستقبل أفضل.
[email protected]



