هل شَعَرْتُم يومًا بأنَّ مصدرَ سعادتِكم – ملجأكم سابقًا – باتَ سببًا لهروبِكم؟ أنْ تَهْرُبوا من شيءٍ كنتم تَهْرُبونَ إليه؟ هيَ مشاعرٌ صعبةٌ، رغمَ تكرارِها المحتمل، وهلِ التكرارُ يُخمِدُ نارًا واقعةً بينَ الرئتين؟ هل يمكنُ لهُ أن يجعلَ الفؤادَ ساكنًا؟
حقيقةً، لم أجدْ جوابًا لتساؤلاتي، أو بالأحرى، توقّفتُ عن البحثِ عنها؛ لأنَّ الغَوْصَ في بَعْضِ الأُمورِ قد يَترُكُ في النَّفْسِ أَثَرًا أَعْمَقَ، مِمّا لَوْ تَرَكْنَا الإِبْحارَ نَحْوَها وَبَقِينَا في شاطِئِ الأَمانِ، وفي وسطِ هذه الكومةِ الهائلةِ من التساؤلات، التي تُشبهُ شماعةً عُلِّقَ عليها حِملٌ يَفوقُ قدرتَها الاستيعابيّةَ، فسقطت، سَقَطَ قلمي!
ومع سقوطِه، ارتطمتْ بي كلُّ الذكرياتِ، تذكّرتُ اللياليَ التي قضيتُها وأنا متشبِّثةٌ به، إذْ كلّما ضاقَ بي هذا الكونُ الواسعُ، وجدتُ ملجئي في ضيقِ المسافةِ بينَ القلمِ والورقةِ، وهذا المشهدُ يُذكّرُني بطفلٍ أُتيحَ له أنْ يلهوَ في فضاءٍ شاسعٍ، لكنَّهُ اختارَ أنْ يتركَ وُسعَ العالمِ ليرتمي في حضنِ والدتِه، تذكّرتُ الصيفَ الذي مرَّ عليَّ مُرًّا، والشتاءَ الذي هطلَ فوقي حُزنًا...لكنّ كلَّ ذلكَ كانَ يهونُ، وأراهُ صغيرًا ما إنْ أُمسِك بقلمي وأكتب.
فكانَ القلمُ وصفتي، والكتابةُ دَوائي، لم أكنْ كاتبةً، ولم أدرسِ الأدبَ، لكنّني – بينَ غَمضةِ عينٍ وانتباهتِها – وجدتُ نفسي الضائعةَ بينَ طيّاتِ أوراقي.
لذا أُوقِنُ أنَّ للكلماتِ سرًّا يَداوينا ونحنُ لا نعلم، وأنَّ للكلماتِ وقعًا جارحًا يجعلُنا نشعرُ وكأنَّ أحدَهم نَبَشَ في جراحِنا النائمةِ وأعادَ إيقاظَها، لا بدَّ أنكَ قرأتَ يومًا ما شيئًا، لربّما كانَ عابرًا، لم تُخطِّط لقراءتِه، لكنَّهُ عَبَرَ داخلَك، وعبَّر عنك، حتى شعرتَ أنَّك أنتَ من كتبَه.
وهل تساءلتَ يومًا عن شعورِ الكاتبِ؟ فقد عاشَ الشعورَ أربعَ مرّاتٍ: مرّةً عندَ وقوعِه، ومرّةً عندَ استدعائِه في الذهنِ ليكتُبَه، ومرّةً عندَ انتهاءِه من كتابتِه، والمرّةَ الأخيرةَ – المُرّةَ – حينَ تقرأُه أنت، فيا لَقوّةِ من كتبَ، ومن قرأ!
للكلمةِ قوّةٌ، قد تبني شيئًا، وقد تهدمُ شيئًا آخر، وقد تكونُ بمثابةِ مواساةٍ لقلبٍ لا تعرفه.، لذا، إنْ سقطَ قلمُك، أو تركتَه عن قصدٍ، فَعُدْ إليه، كما أعودُ أنا اليومَ في (صحيفةِ اليوم)... فالعودةُ إلى شيءٍ ما ليستْ دومًا فكرةً سيّئةً، بلْ قد تكونُ بمثابةِ ذلكَ النورِ في نهايةِ النفقِ.
[email protected]



