في زمن امتلأ بالصوت والصورة، وغرقت فيه العقول في فيض من المعلومات، وزاد فيه تحليل وتفسير البيانات، صار الوعي عبئًا ينوء به كثيرون، لا نعمةً تضيء لهم الطريق. وبينما كانت المعرفة تُعدّ قيمةً عُليا، جاء صوت جديد يصدح: "ليتني لم أعرف... ليتني لم أفهم!".
من هنا بدأت تتردد هذه العبارة على ألسنة الكثيرين، خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي:
"بين نعيم الجهل، ولعنة الوعي". وكأنها شعار لجيل أنهكته الأسئلة، وأتعبه التفكير، وبات يرى في الوعي عبئًا نفسيًا أكثر من كونه بصيرة وطمأنينة، فهل الوعي حكمة؟ أم بات تفكيرًا مُفرِطًا حين يتحوّل إلى قلق داخلي لا يهدأ؟
إن التغيّرات المتسارعة التي يشهدها العالم لم تُتِح للجميع وقتًا كافيًا للتأقلم، بل إن البعض لا يزال يحاول فهمها، فكيف له أن يلاحقها أو يواكبها؟
وفي خضم هذه الفوضى الذهنية، يبدو الإرهاق العقلي أمرًا مفهومًا؛ فتزاحم المعلومات، وتضاربها، بل وتناقضها أحيانًا، يجعل تحمّل مسؤولية التفكير مهمة ثقيلة، في المقابل، يعيش من لا يسأل ولا يُحلل في صفاءٍ مؤقت، لا يُكدره التركيز، ولا تُثقل كاهله التفاصيل.
فتجد نفسك حائرًا: أن تعرف وتقلق... أم تجهل وتطمئن؟
تعكس عبارة "بين نعيم الجهل ولعنة الوعي" مفارقة فلسفية عميقة: أن تكون مدركًا لما يدور حولك من ظلم، ونفاق، وتناقض بشري، يعني أن تعيش صراعًا داخليًا لا ينتهي، أما أن تكون في جهل، فأنت في راحة، وسكون، ولا اكتراث.
لكن المفارقة الكبرى: هل الجهل نعيم حقيقي؟ أم غفلة تُدفع كلفتها لاحقًا؟ وهل الوعي نور يرشدك؟ أم ضوء يحرقك إذا اقتربت منه أكثر مما يجب؟ وهل هي مجرد كلمات رنّانة؟ أم أنها تعبير صادق عن تحوّل اجتماعي ونفسي في فهمنا للراحة، والمعرفة، والعلاقة مع الذات؟
في علم النفس، هناك حالة تُعرف باسم "لعنة المعرفة" (Curse of Knowledge)، وهي حين يصل الإنسان إلى مستوى عالٍ من الإدراك، فيجد صعوبة في التواصل أو التفاهم مع من هم أقل وعيًا.
يُصاب حينها بالعزلة الذهنية، ويشعر أنه يرى ما لا يراه الآخرون، وقد تتطور هذه الحالة إلى قلق دائم، يشعر صاحبه بأنه مثقل بما يعرف، عاجز عن مشاركة هذا الثقل مع من حوله.
وهنا يتحوّل الوعي من نعمة، إلى عبء نفسي يحتاج إلى توازن داخلي وقدرة على التحمل؛ فهو ليس مجرد إدراك، بل مسؤولية نفسية وثقافية وعاطفية.
وقد تأخذ هذه الحالة شكلًا آخر، خصوصًا في زمنٍ تتدفق فيه المعلومات بسهولة، وتصل إليك دون حتى أن تبحث عنها.
فهي تلاحقك عبر الشاشات والإشعارات، وتلفت انتباهك إلى عدد لا يُحصى من التفاصيل، حتى تُصاب بإدراك حادّ لكل صغيرة وكبيرة، وتحليل لا ينتهي.
وهكذا، يتحول هذا الفيض من المعرفة إلى ضغطٍ ذهني مستمر، لا يمنحك مساحة للسكينة، ولا فسحة للتجاهل.
الوعي يرهق حين يتجاوز حدوده، وحين يتحوّل إلى عبء يومي على النفس، فتحمّل النفس أكثر مما تحتمل؛ أن تسأل، وتقرأ، وتفكك كل شيء... دون أن تُوازن بين المعرفة والرحمة بالذات، هو ما يصنع "اللعنة"، لا الوعي ذاته.
ربما يكون الوعي متعبًا أحيانًا، لكنه لا يجب أن يكون عبئًا، بل دافعًا للتوازن، لا للتعاسة، الوعي الحقيقي لا يُتعب، بل الذي يُرهقنا هو الإفراط، والذوبان في التفاصيل، ومحاولة فهم كل شيء دفعة واحدة، وقد يساعدنا أن نتذكر أن الحكمة ليست في أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف متى تتوقّف، ومتى تكتفي.
فلنُدرك... ولكن برفق.
ولنَنعم... ولكن دون غفلة.
فالعاقل لا يتمنى الجهل، لكنه يتعلّم كيف يُصادق وعيه... دون أن يُحاربه، ولا أن يُستعبده.



