قررت قبل أيام أن أسرق ساعة لزيارة خيّاط الثياب المفضل عندي منذ سنوات، في شارع السويكت بالخبر، فالصيف لاهبٌ وداهِم.. وأنا اليوم بحاجة لثياب صيفية جديدة؛ وأثناء سيري على رصيف السويكت، وقعت عيني على زميل لم ألتق به منذ ١٥ عاماً وأكثر، وبادرته بالترحاب قائلا: أهلا وسهلا أبوفلان.. ما هذه الساعة المبروكة التي تقودني لرؤياك؟ وبالأحضان يا رجل! ثم قلت: كدت ألا أعرفك! لقد تغيرت كثيرا يا صاحبي!
سألته: أين حطت بك الرحال؟ وما حال العمل؟ وحال الأسرة والأبناء؟ وما حال الرفاق فلان وفلان؟ رد قائلا: وأنا سعيد جداً بلقائك.. لكن أنا اليوم شخص غريب لا تعرفه يا عبدالله! لقد تركت العمل الذي تتذكرني فيه بعد أن وصل الضغط إلى حدود لا تطاق، وانفصلت عن زوجتي بعد أن تدهورت أوضاعي المالية، وتولّت طليقتي الفاضلة تربية أبنائنا.. ولا يصلني منهم سوى دعوة للزواج أو حضور مأدبة نجاح، وفي الغالب أتصل لأعتذر! لقد قررت منذ سنوات أن أتلاشى وأعود إلى هوايتي القديمة، وهي كما تعلم إصلاح السيارات، وأنا اليوم في ورشة بالصناعية.. ولم يبق من صاحبك القديم سوى اسمه! لا أرى أحدًا ولا أحدٌ يراني سوى عملاء الورشة الذين لا يعرفون سوى «أبوفلان الميكانيكي»!
حدثني صاحبي بقصته ولم ينظر في عيني قط! هذا الرجل كان طياراً في يوم من الأيام، وكان متيّماً بوظيفته تلك ولا يمل الحديث عنها؛ وبنهاية حديثه معي على رصيف من أرصفة شارع السويكت، تذكرت مجتمع الـ «جوهاتسو» في اليابان، وهم أناس يختارون التلاشي والذوبان بعيداً عن عيون كل من يعرفهم، وبعضهم يختار العودة باسم وهوية جديدة لكي لا تعرف أسرته ولا يعرف أقرباؤه أنه على قيد الحياة.
والجوهاتسو الياباني يكون من ضحايا ضغط العمل، أو الضغط المالي، أو تداعيات الطلاق وغير ذلك من نوائب الحياة التي قد تحدث لأيّ أنسان، وظهرت مؤسسات باسم «السائرون ليلاً» تعين هؤلاء على اختيار حياتهم الجديدة، بل وتساعدهم على العودة إلى المجتمع باسم وهويّة جديدة بالكامل، حتى يؤكد للجميع أنه مجرد «شبيه» وأنه ليس فلان الذي يظنون!
[email protected]



